بنت ابوها
08-03-03, 04:53 PM
مدارسنا : كتاتيب آخر زمن
حاولت والدته جاهدة إقناعه بأن يفهم إجابة السؤال ثم يعبر عنها بأسلوبه وكلماته، ولكن الطفل أبى واستنكر، وقام وقعد، وتلوى على نفسه والدموع تملأ عينيه مطالبا أمه بأن تعيد (تسميعه) ما استظهر من إجابة، فالمعلم لا يقبل عن الإجابة المسطرة في الكتاب المدرسي بديلا! وهنا لم تملك الأم إلا أن تستجيب له رأفة بحاله ورحمة بأذنيها. وتاء فتحة تا وباء ضمة بو.. والقولبة لا تزال تعيد إنتاج آلات صماء من الطلبة يحفظون ولا يفهمون ويستظهرون ولا يفكرون، والقطيع يطأطئ رأسه وهو يبتلع المعلومات ليلقي بها على ورقة الامتحانات ثم يعود ليرمي بها في غياهب النسيان! والتلميذ المرغوب ليس ذاك الذي يثير الأسئلة ويحرك الراكد، ولكنه عادة من يحافظ على تلك الصورة النمطية للطاعة والهدوء والامتثال للأوامر، وهو الذي يحفظ دروسه ولا يحيد عن قوانين المدرسة وأنظمتها الصارمة! والمدرسة كفيلة بنتف أسئلة المعترضين وقصقصة ريش من تسول له نفسه بالقول بحديث مختلف، فثقافة الطاعة والتدجين هي الحاكمة بأمرها في مدارسنا!
ولو رأيت طفلا متجهما مكشرا ترتسم على وجهه معالم البؤس والشقاء، وهو يسير متثاقلا ينوء بأحماله من الكتب وكأنه ذاهب إلى حتفه، فاعلم رحمك الله أنه ذاهب إلى المدرسة أو إلى الصورة المحّدثة من كتاتيب زمان! فالتحفيظ والتلقين لا يزالان ساريي المفعول، والمناهج تتهدل بأحمالها الثقيلة من الحشو والتفصيل، والأساليب التربوية الحديثة يكاد لا يكون لها وجود. وإن كانت العصا قد منعت رسميا فلا تزال موجودة في بعض المدارس، ولا تزال توابعها متوجة على قائمة أساليب التعامل مع النشء الصغير.. من سادية مقيتة، إلى امتهان لكرامة الطالب، إلى قتل للفردية، وحدث ولا حرج عن الاهتمام بتفاصيل اللباس دون اهتمام بالتهذيب الحقيقي للأخلاق بتنمية الضمير الذاتي والرقيب الداخلي! ولا أدري على سبيل المثال لماذا يجبر طالب في الصف الرابع على أن يلبس الثوب الأبيض الطويل الذي يعيقه عن الحركة واللعب؟!
وفي مدارسنا لا بأس أن تتحول حصة الرياضيات (بقدرة قادر) إلى جلسة وعظية تحرم (الدشوش) على سبيل المثال وتؤلب الطالب على والده الذي اقتنى أس الفساد وآفة الأخلاق، دون أن يكلف معلم الرياضيات (الواعظ) نفسه عبء إيضاح أن البث الفضائي سلاح ذو حدين، وأنه من الممكن أن نطالع عبره المفيد كما يمكن أن نطالع الغث!
تعاني منظومتنا التعليمية أمراضا مستعصية لم ينفع فيها التشخيص ولا التحليل ولا حتى كتابة الوصفات الطبية ولا المشاريع التطويرية! فالمنظومة برمتها تنوء تحت قيود البيروقراطية والروتين، فالقرار يلف ويدور ويؤجل ويسوف ويتم تجريبه في عدد من المدارس لعدد من السنوات ثم يقرر عدم فعاليته! أو قد يطبق بعد أن يكون تاريخ صلاحيته قد انتهى وبرز على السطح ما هو أفضل منه!
وكان مجلس الشورى قد طالب وزارة التربية والتعليم مؤخرا بتقديم رؤية شاملة لتطوير التعليم وتحديثه في المملكة، بعد أن تم اعتماد مبلغ تسعة مليارات ريال لهذا الغرض، فلا تقدم بدون تطوير للتعليم، ولا تنمية دون إصلاح لهذه المنظومة التي تستثمر في الإنسان بصفته الركيزة الأهم في بناء الأوطان، وأخشى ما أخشاه أن يطول انتظارنا ويطول قبل أن تتضح هذه الرؤية، وأن تتلكأ طويلا كما اعتدنا في دهاليز التسويف! .
:copied:
حاولت والدته جاهدة إقناعه بأن يفهم إجابة السؤال ثم يعبر عنها بأسلوبه وكلماته، ولكن الطفل أبى واستنكر، وقام وقعد، وتلوى على نفسه والدموع تملأ عينيه مطالبا أمه بأن تعيد (تسميعه) ما استظهر من إجابة، فالمعلم لا يقبل عن الإجابة المسطرة في الكتاب المدرسي بديلا! وهنا لم تملك الأم إلا أن تستجيب له رأفة بحاله ورحمة بأذنيها. وتاء فتحة تا وباء ضمة بو.. والقولبة لا تزال تعيد إنتاج آلات صماء من الطلبة يحفظون ولا يفهمون ويستظهرون ولا يفكرون، والقطيع يطأطئ رأسه وهو يبتلع المعلومات ليلقي بها على ورقة الامتحانات ثم يعود ليرمي بها في غياهب النسيان! والتلميذ المرغوب ليس ذاك الذي يثير الأسئلة ويحرك الراكد، ولكنه عادة من يحافظ على تلك الصورة النمطية للطاعة والهدوء والامتثال للأوامر، وهو الذي يحفظ دروسه ولا يحيد عن قوانين المدرسة وأنظمتها الصارمة! والمدرسة كفيلة بنتف أسئلة المعترضين وقصقصة ريش من تسول له نفسه بالقول بحديث مختلف، فثقافة الطاعة والتدجين هي الحاكمة بأمرها في مدارسنا!
ولو رأيت طفلا متجهما مكشرا ترتسم على وجهه معالم البؤس والشقاء، وهو يسير متثاقلا ينوء بأحماله من الكتب وكأنه ذاهب إلى حتفه، فاعلم رحمك الله أنه ذاهب إلى المدرسة أو إلى الصورة المحّدثة من كتاتيب زمان! فالتحفيظ والتلقين لا يزالان ساريي المفعول، والمناهج تتهدل بأحمالها الثقيلة من الحشو والتفصيل، والأساليب التربوية الحديثة يكاد لا يكون لها وجود. وإن كانت العصا قد منعت رسميا فلا تزال موجودة في بعض المدارس، ولا تزال توابعها متوجة على قائمة أساليب التعامل مع النشء الصغير.. من سادية مقيتة، إلى امتهان لكرامة الطالب، إلى قتل للفردية، وحدث ولا حرج عن الاهتمام بتفاصيل اللباس دون اهتمام بالتهذيب الحقيقي للأخلاق بتنمية الضمير الذاتي والرقيب الداخلي! ولا أدري على سبيل المثال لماذا يجبر طالب في الصف الرابع على أن يلبس الثوب الأبيض الطويل الذي يعيقه عن الحركة واللعب؟!
وفي مدارسنا لا بأس أن تتحول حصة الرياضيات (بقدرة قادر) إلى جلسة وعظية تحرم (الدشوش) على سبيل المثال وتؤلب الطالب على والده الذي اقتنى أس الفساد وآفة الأخلاق، دون أن يكلف معلم الرياضيات (الواعظ) نفسه عبء إيضاح أن البث الفضائي سلاح ذو حدين، وأنه من الممكن أن نطالع عبره المفيد كما يمكن أن نطالع الغث!
تعاني منظومتنا التعليمية أمراضا مستعصية لم ينفع فيها التشخيص ولا التحليل ولا حتى كتابة الوصفات الطبية ولا المشاريع التطويرية! فالمنظومة برمتها تنوء تحت قيود البيروقراطية والروتين، فالقرار يلف ويدور ويؤجل ويسوف ويتم تجريبه في عدد من المدارس لعدد من السنوات ثم يقرر عدم فعاليته! أو قد يطبق بعد أن يكون تاريخ صلاحيته قد انتهى وبرز على السطح ما هو أفضل منه!
وكان مجلس الشورى قد طالب وزارة التربية والتعليم مؤخرا بتقديم رؤية شاملة لتطوير التعليم وتحديثه في المملكة، بعد أن تم اعتماد مبلغ تسعة مليارات ريال لهذا الغرض، فلا تقدم بدون تطوير للتعليم، ولا تنمية دون إصلاح لهذه المنظومة التي تستثمر في الإنسان بصفته الركيزة الأهم في بناء الأوطان، وأخشى ما أخشاه أن يطول انتظارنا ويطول قبل أن تتضح هذه الرؤية، وأن تتلكأ طويلا كما اعتدنا في دهاليز التسويف! .
:copied: