خاااالد
07-07-24, 12:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
قالت العرب :
* أسخى من حاتم.
* وأشجع من ربيعة بن مكدم.
* وأدهى من قيس بن زهير.
* وأعز من كليب وائل.
* وأوفى من السموأل.
* وأذكى من اياس بن معاوية.
* وأسود من قيس بن عاصم.
* وأمنع من الحارث بن ظالم.
* وأبلغ من سحبان وائل.
* وأحلم من الأحنف بن قيس.
* وأصدق من أبي ذرالغفاري.
* وأكذب من مسيلمة الحنفي.
* وأعيا من باقل.
* وأمضى من سليك المقانب.
* وأنعم من خريم الناعم.
* وأحمق من هبنقة.
* وأفتك من البراض.
*** حاتم الطائي :
هو: حاتم بن عبدالله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن أخزم بن أبي أخزم بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيىء .
الجواد ، السخي ، ضرب به المثل لسخائه فقيل : أسخى من حاتم .
وقيل عنه : لم يكن حاتم ممسكا شيئا ما عدا سلاحه ، فانه كان لا يجود به .
قال عن نفسه :
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله # # # ويخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى # # # ولكنما وجه الكريم خصيب
وهو القائل لغلامه يسار ، وكان إذا اشتد البرد وكلب الشتاء أمر غلامه فأوقد نارا في يفاع من الأرض لينظر إليها من أضل الطريق ليلا فيصمد نحوه ، فقال في ذلك :
أوقد فان الليل ليل قر # # # والريح يا موقد ريح صر
عل يرى نارك من يمر # # # إن جلبت ضيفا فأنت حر
ومن خبره أنه مر يوما في سفره على قبيلة ( عنزة ) وفيهم أسير ، فاستغاث بحاتم ولم يحضره فكاكه ، فاشتراه من العنزيين وأطلقه وأقام مكانه في القيد حتى أدى فداه .
وأصابتهم سنة اقشعرت لها الأرض ، واغبر أفق السماء .. وفي ليلة من لياليها شديدة البرد قدمت عليه جارته فقالت له : أنا جارتك فلانة ، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب ، فما وجدت معولا إلا عليك يا أبا عدي ، فقال : أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم : فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي بجانبها أربعة ؛ كأنها نعامة حولها رئالها ؛ فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخر ، ثم كشطه عن جلده ، ودفع المدية إلى المرأة فقال لها : شأنك ؛ قالت زوجته
نوار : فاجتمعنا على اللحم نشوي ، ونأكل ، ثم جعل يمشي في الحي يأتيهم بيتا بيتا
فيقول : هبوا أيها القوم ، عليكم بالنار . فاجتمعوا والتفع في ثوبه ناحية ينظر إلينا ، فلا والله أن ذاق منه مزعة ، وانه لأحوج إليه منا ؛ فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلا عظم وحافر . وقصص جوده وسخائه أكثر من أن تحصى . توفي سنة ( 46 قبل الهجرة ) .
*** ربيعة بن مكدم :
هو ربيعة بن مكدم ( بميم مضمومة ، ودال مشددة مفتوحة ) بن عامر بن خويلد بن جذيمة بن علقمة بن فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة .
فارس العرب في الجاهلية ، وأحد فرسان كنانة المعدودين ، وشجعان العرب المشهورين ، يلقب بحامي الظعن ( الظعن : جمع ظعينة ، والظعينة : المرأة ما دامت في الهودج ) ، ضرب به المثل في الشجاعة ؛ فقيل : أشجع من ربيعة بن مكدم .
وكان بنو فراس - رهط ربيعة - أنجد العرب ، وكان الرجل منهم يعدل بعشرة من غيرهم ، وفيهم يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأهل الكوفة : وددت والله أن لي بجمعكم وأنتم مئة ألف ؛ ثلاثمئة من بني فراس .
* ومن خبر شجاعته ؛ أن دريد بن الصمة فارس هوازن خرج يوما في فوارس من بني جشم يريد الغارة على بني كنانة ؛ فلما كان بواد لبني كنانة في طرف الدهناء يقال له ( الأحزم ) رفع له رجل من ناحية الوادي ومعه ظعينة . فلما نظر إليه قال لفارس من أصحابه : صح به أن خل عن الظعينة ، وانج بنفسك - وهو لا يعرفه - فانتهى إليه الرجل ، وألح عليه ، فلما أبى ألقى زمام الراحلة وقال للظعينة :
سيري على رسلك سير الآمن ### سير رداح ذات جأش ساكن
إن انثنائي دون قرني شائني ### أبلي بلائي ، واخبري ، وعايني
ثم حمل على الفارس فصرعه ، وأخذ فرسه فأعطاه الظعينة .
فبعث دريد فارسا آخر لينظر ما صنع صاحبه ؛ فرآه صريعا ، فصاح به ، فتصام عنه ، فظن أنه لم يسمع فغشيه ، وألقى زمام الراحلة إلى الظعينة ، ثم حمل على الفارس فصرعه ، وهو يقول :
خل سبيل الحرة المنيعة ### انك لاق دونها ربيعة
في كفه خطية مطيعة ### أولا فخذها طعنة سريعة
فالطعن مني في الوغى شريعة
ثم حمل عليه فصرعه .
فلما أبطأ على دريد بعث فارسا آخر ، لينظر ما صنعا ، فانتهى إليهما ، فرآهما صريعين ، ونظر إليه يقود ظعينته ، ويجر رمحه ، فقال له الفارس : خل عن الظعينة . فقال لها ربيعة : اقصدي قصد البيوت ، ثم أقبل عليه فقال :
ماذا تريد من شتيم عابس ### ألم تر الفارس بعد الفارس
أرداهما عامل رمح يابس
ثم طعنه فصرعه ، فانكسر رمحه . ولما أبطأ عن دريد ارتاب ، وظن أنهم قد أخذوا الظعينة ، وقتلوا الرجل ، فلحق بهم فوجد ربيعة بن مكدم لا رمح معه ، وقد دنا من الحي ؛ ووجد أصحابه قد قتلوا ، فقال له دريد : أيها الفارس ؛ إن مثلك لا يقتل ، وان الخيل ثائرة بأصحابها ، ولا أرى معك رمحا ، وأراك حديث السن ؛ فدونك هذا الرمح ؛ فإني راجع إلى أصحابي فمثبطهم عنك . وأتى دريد أصحابه ، فقال : إن فارس الظعينة قد حماها ، وقتل فرسانكم ، وانتزع رمحي ، ولا طمع لكم فيه ؛ فانصرف القوم ،
وقال دريد :
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ### حامي الظعينة فارسا لم يقتل
ترى الفوارس من مخافة رمحه ### مثل البغاث خشين وقع الأجدل
ياليت شعري من أبوه وأمه ؟ ### يا صاح من يك مثله لم يجهل
* وفاته : رماه نبيشة بن حبيب السلمي بسهم يوم الكديد ، فمات مثخنا بجراحه ، وهو يومئذ غلام له ذؤابة . وذلك عام ( 66 قبل الهجرة ) .
وكان يعقر على قبره في الجاهلية . ولم يعقر على قبر أحد غيره .
*** قيس بن زهير :
هو قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس .
صاحب الحصان داحس، والفرس الغبراء ، الذين بسببهما وقعت الحرب مع بني ذبيان ، فسميت بحرب ( داحس والغبراء ) .
سيد بني عبس ، وكان يلقب بقيس الرأي ، لجودة رأيه ، وقد ضرب به المثل في الدهاء
فقيل : أدهى من قيس بن زهير .
وكان أيضا مجربا ؛ ذكروا من دهائه أنه مر ببلاد غطفان ، فرأى ثروة ، وعديدا ، فكره ذلك ، فقال له الربيع بن زياد : انه يسوؤك ما يسر الناس ! فقال : يا ابن أخي ، انك لا تدري ؛ إن مع الثروة ، والنعمة التحاسد ، والتباغض ، والتخاذل ، وان مع القلة التعاضد ، والتوازر ، والتناصر .
وكان يقول : أربعة لا يطاقون : عبد ملك ، ونذل شبع ، وأمة ورثت ، وقبيحة تزوجت .
قال بعد قتله حذيفة بن بدر زعيم بني ذبيان :
شفيت النفس من حمل بن بدر ### وسيفي من حذيفة قد شفاني
شفيت بقتلهم لغليل صدري ### ولكني قطعت بهـم بناني
فلا كانت الغبرا ولا كان داحس ### ولا كان ذاك اليوم يوم دهاني
هام على وجهه بعد انتهاء حرب داحس والغبراء ؛ فلحق بالنمر بن قاسط ، وتزوج فيهم ، وأقام فيهم زمنا ، ثم رحل عنهم إلى عمان فأقام بها إلى أن مات هناك عام 9 هجرية .
*** كليب وائل :
هو وائل بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب . وكليب لقبه .
ولد سنة 187 قبل الهجرة ، ونشأ في حجر أبيه ، ودرب على الحرب ، ثم تولى رياسة الجيش لبكر ، وتغلب زمنا ..
اجتمعت معد كلها تحت قيادته لحرب اليمن في يوم من أعظم أيام العرب في الجاهلية عند جبل خزاز ( غرب مدينة دخنة في القصيم ) ، وكانت معد لا تستنصف من اليمن ، ولم تزل اليمن قاهرة لها حتى كان هذا اليوم فانتصرت معد ، ولم تزل لها المنعة حتى جاء الإسلام ..
قال هشام بن محمد بن السائب : لم تجتمع معد كلها إلا على ثلاثة رهط من رؤساء العرب ، وهم : عامر بن الظرب يوم البيداء حين تمذحجت مذحج ، وسارت إلى تهامة . وربيعة بن الحارث - والد كليب - يوم السلان . وكليب حين قاد جموع معد يوم خزازي .
وبعد انتصاره على مذحج يوم خزاز ، اجتمعت على رئاسته معد كلها ، فجعلوا له قسم الملك ، وتاجه ، ونجيبته ، وطاعته ، وغبر بذلك حينا من دهره ، ثم دخله زهو شديد ، وبغى على قومه لما هو فيه من عزة ، وانقياد معد له . حتى بلغ من بغيه أنه كان يحمي مواقع السحاب فلا يرعى حماه ، وإذا جلس لا يمر أحد بين يديه إجلالا له ، ولا يحتبي أحد في مجلسه غيره ، ولا يغير إلا بإذنه ، ولا تورد ابل أحد مع ابله ، ولا توقد نار مع ناره ، ولم يكن بكري ولا تغلبي يجير رجلا ، ولا بعيرا ، أو يحمي حمى إلا بأمره ، وكان يجير على الدهر فلا تخفر ذمته ، وكان يقول : وحش أرض كذا في جواري ، فلا يهاج ! وكان هو الذي ينزل القوم منازلهم ، ويرحلهم ، ولا ينزلون ولا يرحلون إلا بأمره ، وقد بلغ من عزته ، وبغيه أنه اتخذ جرو كلب ، فكان إذا نزل منزلا به كلأ قذف ذلك الجرو فيه فيعوي ، فلا يرعى أحد ذلك الكلأ إلا بإذنه ، وكان يفعل هذا بحياض الماء فلا يردها أحد إلا بإذنه أو من آذن بحرب ، فضرب به المثل في العز فقيل : أعز من كليب وائل . وكان يحمي الصيد فيقول : صيد ناحية كذا وكذا في جواري فلا يصيد أحد منه شيئا .
قيل انه مر يوما بمرعى فيه قبرة وقد باضت ، فلما رأته صرصرت ، وخفقت بجناحيها ، فقال :
من روعك ؟ أنت في ذمتي ، ثم أنشد :
يالك من قبرة بمعمري # # # لا ترهبي خوفا ولا تستنكري
قد ذهب الصياد عنك فابشري # # # ورفع الفخ فماذا تحذري
خلا لك الجو فبيضي واصفري # # # ونقري ما شئت أن تنقري
فأنت جاري من صروف الحذر # # # إلى بلوغ يومـك المقـدر
* قتله جساس بن مرة البكري غيلة على غدير الذنائب سنة 132 قبل الهجرة ، حيث أن قبيلة بكر بن وائل ، وتغلب بن وائل ظعنتا ؛ فمرت بكر بن وائل على نهي ( غدير ) يقال له شبيت ، فنفاهم كليب عنه ، وقال : لا يذوقون منه قطرة ، ثم مروا على نهي آخر يقال له الأحص ، فنفاهم عنه وقال : لا يذوقون منه قطرة ، ثم مروا على بطن وادي الجريب فمنعهم إياه ، فمضوا حتى نزلوا الذنائب ، واتبعهم كليب وحيه حتى نزلوا عليه ، فمر عليه جساس ومعه ابن عمه عمرو بن الحارث بن ذهل ، وهو واقف على غدير الذنائب ، فقال له : طردت أهلنا عن المياه حتى كدت تقتلهم عطشا ! فقال كليب : ما منعناهم من ماء إلا ونحن له شاغلون . فقال له جساس : هذا كفعلك بناقة خالتي ( يعني البسوس ) ، فقال له : أو قد ذكرتها ! أما إني لو وجدتها في غير ابل مرة لاستحللت تلك الإبل بها ! أتراك مانعي أن أذب عن حماي !
فعطف عليه جساس فرسه فطعنه برمح فأنفذ حضنيه . فلما أحس بالموت قال : يا جساس ، اسقني من الماء . فقال : ما عقلت استسقاءك الماء منذ ولدتك أمك إلا ساعتك هذه . فالتفت إلى عمرو وقال له : يا عمرو ؛ أغثني بشربة ماء ، فنزل إليه وأجهز عليه . وضرب بهذا المثل القائل :
المستجير بعمرو عند كربته # # # كالمستجير من الرمضاء بالنار
قال المهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليبا :
كليب لا خير في الدنيا ومن فيها # # # إذ أنت خليتها فيمن يخليها
كليب أي فتى عز ومكرمة # # # تحت السقائف إذ يعلوك سافيها
نعى النعاة كليبا لي فقلت لهم # # # مالت بنا الأرض أو زالت رواسيها
وقامت بسبب قتل كليب حرب ( البسوس ) بين تغلب ، وبكر ؛ التي استمرت أربعين سنة .
*** السمو أل بن عادياء :
هو : السموءل بن حيا بن عادياء بن رفاعة بن الحارث بن ثعلبة بن كعب بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن الحارث بن قحطان .
شاعر جاهلي حكيم ، من سكان خيبر في شمال المدينة ، كان يتنقل بينها وبين حصن له في تيماء سماه ( الأبلق ) ، أشهر شعره لاميته ، وهي من أجود الشعر .
وكان معتنقا للديانة اليهودية ، وبه ضرب المثل في الوفاء ،
فقيل : أوفى من السموءل .
وكان من قصة وفاءه بالعهد أن امرؤ القيس بن حجر الكندي أستودع عنده امرأته ، وأدرعه ، وماله قبل ذهابه إلى قيصر الروم .. ولما مات امرؤ القيس عام 58 قبل الهجرة جاء الحارث بن أبي شمر المعروف بالأعرج إلى السموأل فطلب منه دروع امرئ القيس ، وأسلحته ، فأبى السموءل ، وتحصن بحصنه الأبلق ، فأخذ الحارث ابنا له وناداه : أما أن تسلم الأدرع لي ، وإما قتلت ولدك . فأبى أن يسلم الأدرع . فضرب وسط الغلام بالسيف فقطعه وأبوه يراه وانصرف . ثم جاء السموأل إلى ورثة امرئ القيس وسلمهم الأدرع . فضرب به المثل في الوفاء ؛ فقيل : أوفى من السموأل .
ومن أشعاره قوله :
وما مات منا سيد حتف أنفه # # # ولا طل منا حيث كان قتيل
تسيل على حد الظبات نفوسنا # # # وليس على غير السيوف تسيل
وقوله :
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه # # # فكل رداء يرتديه جميل
وان هو لم يحمل على النفس ضيمها # # # فليس إلى حسن الثناء سبيل
إذا المرء أعيته المروءة يافعا # # # فمطلبها كهلا عليه ثقيل
وقوله :
تعيرنا أنا قليل عديدنا # # # فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا # # # عزيز وجار الأكثرين ذليل
* توفي سنة 63 قبل الهجرة .
*** اياس بن معاوية :
اياس بن معاوية بن قرة بن اياس بن هلال بن رئاب بن عبيد بن سواءة بن سارية بن ذبيان بن ثعلبة بن سليم بن أوس بن عمرو بن أد ( مزينة ) بن طابخة بن الياس بن مضر .
القاضي ، أبو وائلة ، ضرب فيه المثل لذكائه فقيل : أذكى من اياس بن معاوية .
ولا ه عمر بن هبيرة الفزاري القضاء ، في عهد يزيد بن عبدالملك ، وأعطاه مئة درهم ، وكانت أول مال تمولها .
وكان من خبر ذكائه أن رجلا استودع رجلا مالا ثم طلبه فجحده فخاصمه إلى القاضي اياس بن معاوية . فقال الطالب : إني دفعت المال إليه . قال : ومن حضر . قال : دفعته في مكان كذا وكذا ، ولم يحضرنا أحد . قال : فأي شيء في ذلك الموضع . قال : شجرة . قال : فانطلق إلى ذلك الموضع ، وانظر الشجرة فلعل الله تعالى يوضح لك هناك ما يتبين به حقك ؛ لعلك دفنت مالك عند الشجرة ونسيت ؛ فتتذكر إذا رأيت الشجرة ، فمضى الرجل .
قال اياس للمطلوب : اقعد حتى يرجع خصمك ، فقعد ، واياس يقضي وينظر إليه ساعة ، ثم قال له : يا هذا أترى صاحبك بلغ موضع الشجرة التي ذكر . قال : لا . قال : يا عدو الله ؛ انك لخائن ! قال : أقلني أقالك الله . فأمر من يحتفظ به حتى جاء الرجل . فقال له اياس : قد أقر لك بحقك ، فخذه وانصرف .
ومن ذكائه أنه دخل عليه ثلاث نسوة . فقال : أما واحدة فمرضع ، والأخرى بكر ، والثالثة ثيب ! فقيل له : بم علمت ؟ قال : أما المرضع : فإنها لما قعدت أمسكت ثديها بيدها ، وأما البكر : فلما دخلت لم تلتفت إلى أحد ، وأما الثيب : فلما دخلت رمقت بعينيها يمينا وشمالا !
ومن أقواله :
كلمت الفرق كلها ببعض عقلي ، وكلمت القدري بعقلي كله ، فقلت له : دخولك فيما ليس لك ظلم منك ؟ قال : نعم . قلت : فان الأمر كله لله .
وقوله : لست بخب ، ولا الخب يخدعني .
*** قيس بن عاصم :
هو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم .
* ضرب به المثل في سيادته لقومه فقيل : أسود من قيس ين عاصم .
وقيل له : بم سودك قومك ؟ قال : بكف الأذى ، وبذل الندى ، ونصر المولى .
وفد قيس بن عاصم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبسط له رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه ، وقال :
( هذا سيد الوبر ) ، وذلك لسؤدده في قومه بالذب عن حريمهم ، وبذله رفده لهم .
ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات قومه .
من أقوال قيس بن عاصم رضي الله عنه : الشيب خطام المنية .
وقال لبنيه لما حضرته الوفاة : احفظوا عني ، فلا أحد أنصح لكم مني ؛ إذا أنا مت فسودوا كباركم ، ولا تسودوا صغاركم فيحقر الناس كباركم .
قيل في رثائه :
عليك سلام الله قيس بن عاصم ### ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من ألبسته منك نعمة ### إذا زار عن شحط بلادك سلما
وما كان قيس هلكه هلك واحد ### ولكنه بنيان قــوم تهدما
*** الحارث بن ظالم :
هو : الحارث بن ظالم بن جذيمة بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان ؛ الفاتك المشهور .
ضرب فيه المثل فقيل : أمنع من الحارث بن ظالم ، حيث امتنع على الملك الأسود بن المنذر ، ولم يستطع الملك الأسود بن المنذر أن يظفر به بعد قتله خالد بن جعفر الكلابي العامري ، وهو في جواره .
ومثله قيل : أمنع من عقاب الجو . لعلوه وارتفاعه وصعوبة الحصول عليه ، وصيده ، والظفر به .
ومن حكاية ذلك أنه لما قتل خالد بن جعفر بن كلاب زهير بن جذيمة العبسي ضاقت به الأرض ، وعلم أن غطفان غير تاركيه ؛ فخرج حتى أتى الأسود بن المنذر ( أخي النعمان بن المنذر ) فاستجار به فأجاره ، ومعه أخوه عتبة بن جعفر .
ونهض قيس بن زهير فتهيأ لمحاربة بني عامر ، وهجم الشتاء ؛ فقال الحارث بن ظالم : يا قيس ؛ أنتم أعلم وحربكم ، وأنا راحل إلى خالد حتى أقتله ، قال قيس : قد أجاره النعمان ، قال الحارث : لأقتلنه ولو كان في حجره !
اجتمع مع خالد بن جعفر الكلابي في بلاط الملك الأسود بن المنذر ( أخي النعمان بن المنذر ) ، وكان بينه وبين خالد بن جعفر عداوة قديمة ؛ حيث أن ظالم بن جذيمة هلك من جراح أصابته بعد أن أغار خالد بن جعفر على ذبيان يوم بطن عاقل فقتل الرجال حتى أسرف ، وبقيت النساء ، والحارث بن ظالم يومئذ صغير ، فنشأ على بغض خالد ..
فلما اجتمعا في بلاط الملك الأسود بن المنذر دعا لهما بتمر ، فجيء به على نطع فجعل بين أيديهم ، فطفق خالد يأكل ويلقي نوى ما يأكل من التمر بين يدي الحارث . فلما فرغ القوم قال خالد : أبيت اللعن ! أنظر إلى ما بين يدي الحارث من النوى ، فما ترك لنا تمرا إلا أكله ، فقال الحارث : أما أنا فأكلت التمر وألقيت النوى ، وأما أنت يا خالد فأكلته بنواه !
فغضب خالد - وكان لا ينازع - وقال : أتنازعني يا حارث وقد قتلت حاضرتك ، وتركتك يتيما في حجور النساء ؟ فقال الحارث : ذلك يوم لم أشهده ، وأنا مغن اليوم بمكاني . فقال خالد : ألا تشكر يدي عندك أن قتلت عنك سيد قومك زهير بن جذيمة وجعلتك سيد غطفان ؟ قال : بلى ، سأجزيك شكر ذلك !
فلما خرج الحارث قال الأسود لخالد : ما دعاك إلى أن تحترش بهذا الكلب وأنت ضيفي ؟ فقال له خالد : أبيت اللعن ! إنما هو عبد من عبيدي ، فوالله لو كنت نائما ما أيقظني .
وانصرف خالد إلى قبته ، فلامه أخوه عتبة بن جعفر فقال له : ما أردت بكلامه وقد عرفته فتاكا ! فقال خالد : وما تخوفني منه ؟ فوالله لو رآني نائما ما أيقظني . ثم أشرج خالد قبته عليه وعلى أخيه وناما .
وانصرف الحارث إلى رحله ، وكان معه تبيع له من بني محارب يقال له خراش ، فلما هدأت العيون أخرج الحارث ناقته وقال لخراش : كن لي بمكان كذا ، فان طلع كوكب الصبح ( الزهرة ) ولم آتك فانظر أي البلاد أحب إليك فاغمد لها . فلما هدأت العيون خرج بسيفه حتى أتى قبة خالد ، فهتك شرجها بسيفه ، ثم ولجها ، فرأى خالدا نائما وأخوه إلى جنبه ، فأيقظ خالدا فاستوى قائما ، فقال له : أتعرفني ؟ قال : أنت الحارث ! فقال : يا خالد ؛ أظننت أن دم زهير كان سائغا لك ، فخذ جزاء يدك عندي ! وضربه بسيفه المعلوب فقتله ، وانتبه عتبة ، فقال له الحارث : لئن نبست لألحقنك به ! ثم خرج من القبة وركب فرسه ومضى على وجهه . وخرج عتبة صارخا : واجوار الملك ! حتى أتى باب الأسود ، فنادى : يا سوء جواراه ! فأجيب : لا روع عليك ! فقال : دخل الحارث على خالد فقتله ، وأخفر ذمة الملك .
قال الحارث : فلما سرت قليلا خفت أن أكون لم أقتله ، فعدت متنكرا واختلطت بالناس ، ودخلت عليه فضربته بالسيف حتى تيقنت أنه مقتول ، وعدت فلحقت بقومي .
وجه الأسود فوارس في طلب الحارث فلحقوه سحرا ، فعطف عليهم ، فقتل جماعة منهم وكثروا عليه ، فجعل لا يقصد لجماعة إلا فرقها ، ولا لفارس إلا قتله . فارتدع القوم عنه ، وانصرفوا إلى الأسود .
ولما رجع الحارث إلى قومه تشاءموا به ولاموه ، وأبوا أن يجيروه فكره أن يكون لهم عليه منة ، فهرب ونبت في البلاد . ثم أخذ يتنقل بين القبائل فلحق بعروض اليمامة وأتى صديقا له من كندة فالتف عليه.. ثم ذهب إلى بني عجل بن لجيم .. ثم إلى جبلي طيء .. وكل ذلك وهو ممتنع من الأسود بن المنذر .. ثم لحق ببلاد غطفان .. حتى أتى سنان بن أبي حارثة المري ، فوجد عنده شرحبيل ابن الملك الأسود بن المنذر ، وكان مسترضعا في بني مرة عند سلمى امرأة سنان ؛ فقتله . وهرب الحارث من فوره ذلك ، وهرب سنان بن أبي حارثة ، فلما بلغ الأسود قتل ابنه شرحبيل ، غزا بني ذبيان ، فقتل وسبى ، وأخذ الأموال ، وأغار على بني دودان بن أسد رهط سلمى التي كان شرحبيل في حجرها ..
وبعد ذلك هرب الحارث بن ظالم إلى بني تميم فلجأ إلى معبد بن زرارة فاستجار به فأجاره ، فكانت بسببه وقعة رحرحان ( جبل قريب من عكاظ ) عام 96 قبل الهجرة ؛ التي غزا فيها الأحوص بن جعفر الكلابي ( أخي خالد بن جعفر ) بني تميم فهزمهم .. ثم هرب الحارث حتى لحق بمكة و قريش ؛ لأنه يقال إن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان ، إنما هو مرة بن عوف بن لؤي بن غالب ؛ فتوسل إليهم بهذه القرابة ، وقال في ذلك :
إذا فارقت ثعلبة بن سعد # # # واخوتهم نسبت إلى لؤي
إلى نسب كريم غير دغل # # # وحي من أكارم كل حي
فان يك منهم أصلي فمنهم # # # قرابين الإله بنو قصي
فقالوا هذه رحم كرشاء ( بعيدة ) إذا استغنيتم عنها لن يتركم . قال : فشخص الحارث عنهم غضبان . وقال في ذلك :
ألا لستم منا ولا نحن منكم # # # برئنا إليكم من لؤي بن غالب
غدونا على نشز الحجاز وأنتم # # # بمنشعب البطحاء بين الأخاشب
ثم توجه إلى الشام ولحق بالملك يزيد بن عمرو الغساني فأجاره وأكرمه .. ثم قتل الحارث بن ظالم الخمس التغلبي الكاهن .. فلما فعل ذلك دعا به الملك فأمر بقتله ، فقال : أيها الملك انك قد أجرتني فلا تغدرن بي ! فقال الملك : لا ضير ، إن غدرت بك مرة فقد غدرت بي مرارا !وأمر ابن الخمس فقتله ( كان ذلك عام 24 قبل الهجرة ) ، وأخذ ابن الخمس سيف الحارث فأتى به عكاظ في الأشهر الحرم ، فأراه قيس بن زهير العبسي ، فضربه قيس فقتله ، وقال يرثي الحارث بن ظالم :
وما قصرت من حاضن ستر بيتها # # # أبر وأوفى منك حار بن ظالم
أعز وأحمى عند جار وذمة # # # وأضرب في كاب من النقع قاتم
*** سحبان وائل :
هو : ؟
* ضرب فيه المثل لبلاغته وفصاحته فقيل : أبلغ من سحبان وائل.
من أقواله :
العقل بالتجارب ؛ لأن عقل الغريزة سلم إلى عقل التجربة .
وقال حميد الأرقط :
تجهز كفاه و يحدر حلقه # # # إلى الزور ما ضمت علي الأنامل
أتانا وما سواه سحبان وائل # # # بيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللقم حتى كأنه # # # من العي لما أن تكلم باقل
وذكر علي بن عبيدة القلم فقال :
أصم يسمع النجوى ؛ أعيا من باقل ، وأبلغ من سحبان وائل ؛ يجهل الشاهد ، ويخبر الغائب
؛ ويجعل الكتب بين الإخوان ألسنا ناطقة ، وأعينا لاحظة ، وربما ضمنها من ودائع القلوب ما لا تبوح به الألسن عند المشاهدة .
*** الأحنف بن قيس :
هو الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين بن حفص بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم .
أبو بحر ، سيد تميم ، ومن سادات التابعين ، ولد سنة 3 قبل الهجرة . أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ، وأسلم قومه بإشارته ، له رواية عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم .
* ضرب فيه المثل لحلمه فقيل : أحلم من الأحنف بن قيس.
* قيل له : ممن تعلمت قال : من قيس بن عاصم المنقري .
قال الأحنف : من لم يصبر على كلمة سمع كلمات .
وقال : آفة الحلم الذل .
وقال : لا حلم لمن لا سفيه له .
وقال : ما قل سفهاء قوم إلا ذلوا . وأنشد :
لا بد للسؤدد من رماح # # # ومن رجال مصلتي السلاح
يدافعون دونه بالراح # # # ومن سفيه دائم النباح
وقال : رب غيظ تجرعته مخافة ما هو أشد منه . وأنشد :
رضيت ببعض الذل خوف جميعه # # # كذلك بعض الشر أهون من بعض
وقال : ما نازعني أحد قط إلا أخذت أمري بإحدى ثلاث : إن كان فوقي عرفت قدره ، وان كان دوني أكرمت نفسي عنه ، وان كان مثلي تفضلت عليه .
وقال : وجدت الحلم أنصر لي من الرجال .
قيل للأحنف : ما الحلم ؟ فقال : قول إن لم يكن فعل ، وصمت إن ضر قول .
وكان الأحنف بن قيس : أعور ، أعرج ولكنه إذا تكلم جلا عن نفسه .
فقد قال له رجل يوما : بم سودك قومك وما أنت بأشرفهم بيتا ، ولا أصبحهم وجها ، ولا أحسنهم خلقا ؟ قال : بخلاف ما فيك يابن أخي . قال : وما ذاك ؟ قال : بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك .
وقال له رجل : علمني الحلم يا أبا بحر . قال : هو الذل يا بن أخي ، أفتصبر عليه ؟
وقال هشام بن عبدالملك لخالد بن صفوان : بم بلغ فيكم الأحنف ما بلغ ؟ قال : إن شئت أخبرتك بخلة ، وان شئت بخلتين ، وان شئت بثلاث . قال : ما الخلة ؟ قال : كان أقوى الناس على نفسه . قال : فما الخلتان ؟ قال : كان موقي الشر ، ملقي الخير . قال : فما الثلاث ؟ قال : كان لا يجهل ، ولا يبغي ، ولا يبخل .
دعا معاوية الأحنف بن قيس ، وسمرة بن جندب فقال : إني رأيت هذه الحمراء قد كثرت ، وأراها قد طعنت على السلف ، وكأني أنظر إلى وثبة منهم على العرب والسلطان ؛ فقد رأيت أن أقتل شطرا وأدع شطرا لإقامة السوق ، وعمارة الطريق ؛ فما ترون ؟
فقال الأحنف : أرى أن نفسي لا تطيب ؛ أخي لأمي ، وخالي ، ومولاي ، وقد شاركناهم وشاركونا في النسب . فظنت أني قد قتلت عنهم ؛ وأطرق .
فقال سمرة بن جندب : اجعلها إلي أيها الأمير ، فأنا أتولى ذلك منهم وأبلغ منه .
فقال : قوموا حتى أنظر في هذا الأمر .
فقال الأحنف : فقمنا عنه وأنا خائف ، وأتيت أهلي حزينا ؛ فلما كان بالغداة أرسل الي ، فعلمت أنه أخذ برأيي ، وترك رأي سمرة . توفي بالكوفة سنة 72 هجرية .
*** أبو ذرالغفاري :
هو : جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة . الصحابي الجليل رضي الله عنه .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيكم يلقاني على الحال الذي أفارقه عليه ؟
فقال أبو ذر : أنا . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما أقلت الغبراء ، ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ؛ من سره أن ينظر إلى زهد عيسى فلينظر إلى أبي ذر ) . لذلك ضرب فيه المثل لصدقه ، فقيل : أصدق من أبي ذر الغفاري .
وكان رضي الله خامسا في الإسلام ، لكنه رجع إلى بلاد قومه ، فأقام حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة .
وفي شهر رجب من السنة التاسعة من الهجرة تجمع نصارى العرب مع جند الروم لمحاربة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ووصلت مقدمتهم إلى البلقاء من أرض الشام ..
فعلم بتجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فأمر أصحابه بالتهيؤ لغزوهم ، وذلك في زمن عسرة من الناس ، وشدة من الحر ، وجدب من البلاد ، وحين طابت الثمار ، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ، ويكرهون الشخوص عنها ..
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها ، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يقصد إليه ، إلا غزوة تبوك فانه بينها للناس ؛ لبعد الشقة ، وشدة الزمان ، وكثرة العدو الذي يصمد له ، ليتأهب الناس لذلك أهبته .. أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز ، وأخبرهم أنه يريد غزو الروم ؛ فتجهز الناس ، على ما في أنفسهم من الكره لذلك الوجه ، لما عرفوا من كثرة الروم وقوتهم ، واثاقل بعض المنافقين ، وعرف الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم فراسته حينا ، وبوحي الله أحيانا ...
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرا ، فجعل يتخلف عنه الرجل ، فيقال : يا رسول الله ، تخلف فلان ، فيقول : دعوه فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم ، وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه . حتى قيل : يا رسول الله ؛ قد تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره ،
فقال : دعوه فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم ، وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه .
وتلوم ( تلبث ، وانتظر ) أبو ذر على بعيره ، فلما أبطأ به أخذ متاعه فحمله على ظهره ، ثم خرج يتبع أثر الرسول ماشيا ، ونزل الرسول في بعض منازله ، فنظر ناظر من المسلمين . فقال : يا رسول الله ؛ إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده ! قال الرسول صلى الله عليه وسلم : كن أبا ذر ! لما تأمله القوم قالوا : هو والله أبو ذر ! فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : رحم الله أبا ذر ! يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده .
فضرب الدهر ضربانه وتولى عثمان بن عفان رضي الله عنه الخلافة .. فدخل أبو ذر في رهط من غفار على عثمان من باب لا يدخل عليه منه ‘ فانتهى إليه ، فسلم ، وحسر عن رأسه ، ثم ما بدأه بشيء إلا أن قال : أحسبتني منهم يا أمير المؤمنين ؟ والله ما أنا منهم ولا أدركهم ( يقصد الخوارج ) ، قال ابن شوذب : سيماهم الحلق . قال له عثمان : صدقت يا أبا ذر ؛ إنما أرسلنا إليك لتجاورنا في المدينة . قال : لا حاجة لي في ذلك ، ائذن لي إلى الربذة . قال : نعم ، ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة ، تغدو عليك وتروح . قال : لا حاجة لي في ذلك ، يكفي أبا ذر صريمته . ثم استأذنه بالذهاب إلى الربذة ، فلما خرج قال : دونكم معاشر قريش ، دنياكم فاعذموها ، ودعونا وربنا ...
قالت أم ذر : والله ما سير عثمان أبا ذر - تعني إلى الربذة - ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا بلغ البناء سلعا ، فاخرج منها ) .
فلما حضرته الوفاة ، أوصى امرأته وغلامه ، فقال : إذا مت فاغسلاني وكفناني ، وضعاني على الطريق ، فأول ركب يمرون بكم فقولا : هذا أبو ذر .
فلما مات رضي الله عنه فعلا به ذلك ، فاطلع ركب ، فما علموا به حتى كادت ركائبهم توطأ السرير . فإذا عبدالله بن مسعود في رهط من أهل الكوفة عمارا ، فقال : ما هذا ؟ قال الغلام : هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم . فاستهل ابن مسعود رضي الله عنه يبكي ، وقال : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يرحم الله أبا ذر ؛ يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده ) .
فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه . وكانت و فاته رضي الله عنه ، وأرضاه لأربع سنين بقيت من أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه .
*** مسيلمة الحنفي :
هو : مسيلمة بن ثمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن عدي بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل .
* ضرب فيه المثل لكذبه بادعائه النبوة ، فقيل : أكذب من مسيلمة الحنفي .
* وكان من خبره أن وفد بني حنيفة قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم من اليمامة في سنة عشر للهجرة ، وتركوا مسيلمة بن ثمامة في رحالهم ، فلما أسلموا ذكروا مكانه ، فقالوا : يا رسول الله ، انا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا وفي ركابنا يحفظها لنا .
فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر به للقوم ، وقال : أما انه ليس بشركم مكانا . ثم انصرفوا . وجاءوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد وتنبأ لهم ، وقال : إني قد أشركت في الأمر معه ! وقال لمن كان معه في وفد بني حنيفة : ألم يقل لكم حين ذكرتموني له : أما انه ليس بشركم مكانا ! وما ذاك إلا لأنه كان يعلم أني قد أشركت في الأمر معه . ثم جعل يسجع لهم الأساجيع ؛
فمن أقواله :
الفيل ما الفيل ، وما أدراك ما الفيل ؛ له ذيل أثيل ، وشفر طويل ..
يا ضفدع يابن ضفدعين ، نقي كما تنقين ، فأعلاك في الماء ، وأسفلك في الطين ، لا الشراب تمنعين ، ولا الماء تكدرين ، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ، ولكن قريش قوم لا يعدلون .
والزارعات زرعا ، فالحاصدات حصدا ، فالطاحنات طحنا ، فالعاجنات عجنا ، فالخابزات خبزا ..
انا أعطيناك الرحراح فصل لربك وارتاح . فقيل له : يا رسول الله ؛ وما الرحراح ؟ فقال : لم يخبرني جبريل بذلك !
* وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ، سلام عليك ؛ أما بعد : فإني قد أشركت في الأمر معك ، وان لنا نصف الأرض ، ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشا قوم يعتدون .
وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم رسولان بهذا الكتاب ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم حين قرأ كتاب مسيلمة : فماذا تقولان أنتما ؟ قالا : نقول مثل ما قال . فقال : أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقيكما !
ثم كتب صلى الله عليه وسلم إلى مسيلمة : بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب : سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ، والعاقبة للمتقين .
فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعث خليفة المسلمين أبو بكر الصديق رضي الله عنه السرايا إلى المرتدين أرسل عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه في عسكر إلى مسيلمة ، وأتبعه شرحبيل بن حسنة ، وكان مسيلمة قد اشتد أمره ، والتف حوله أربعون ألف مقاتل من بني حنيفة في اليمامة .
فسار عكرمة إلى اليمامة ، ولم ير أن ينتظر شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه ، ليكون ردءا له ، فخار النصر . وكان عكرمة بطلا مجربا ، وفارسا مغوارا ، وقد اجتمع في لوائه أبطال لهم في الحروب بلاء ، ولكنه لم يثبت لقوتهم ، ونكبه بنو حنيفة ، وعلم شرحبيل بهزيمتهم فأقام بالطريق ..
ولما قدم خالد بن الوليد رضي الله عنه على أبي بكر من البطاح ، أرسله إلى مسيلمة ، وأوعب معه الناس ، وجعل على الأنصار ثابت بن قيس ، والبراء بن عازب ؛ وعلى المهاجرين أبا حذيفة ، وزيد بن الخطاب ، وعلى كل قبيلة رجل .
وخرج خالد في جنده حتى أتى اليمامة ؛ وسلك ثنية ديراب حيث كان بنو حنيفة مستعدين هناك في جمعهم الكثيف وكان ذلك سنة إحدى عشرة للهجرة ..
ولما بلغ مسيلمة دنو خالد ضرب عسكره بعقرباء ( تسمى اليوم الجبيلة ) ، واستنفر الناس ، فجعلوا يخرجون إليه . التقى الناس ، ودارت المعركة ، واقتتلوا قتالا شديدا ، حتى انهزم المسلمون في بادئ الأمر .. لكنهم ثبتوا واستطاعوا الانتصار على جند مسيلمة بالمبارزات الفردية .. حتى فر جند مسيلمة إلى الحديقة ، وتحصنوا بها من هزيمتهم ، بعد أن خر الألوف منهم صرعى .. استطاع البراء بن مالك رضي الله عنه أن يفتح باب الحديقة بعدما اقتحم الحائط من الأعلى ، فدخلها المسلمون واقتتلوا قتالا شديدا ، وأبيد من في الحديقة منهم . وذهب فريق إلى مسيلمة يقولون : أين ما كنت تعدنا ؟ قال : قاتلوا عن أحسابكم ، ولم يلبث الصارخ أن صرخ : إن مسيلمة قد قتل ، إن العبد الأسود قتل مسيلمة !
حيث أن المسلمين حين دخلوا الحديقة من حيطانها خلصوا إلى مسيلمة وإذا هو واقف في ثلمة جدار ، كأنه جمل أورق ، وهو لا يعقل من الغيظ ، فتقدم إليه وحشي بن حرب
( مولى جبير بن مطعم ) رضي الله عنه فأصابه بحربته ، وسارع أبو دجانة رضي الله عنه فضربه بالسيف فسقط ، فنادت امرأة من القصر : واوا أمير الوضاءة ، قتله العبد الأسود !
* وهكذا طويت صفحة هذا الكذاب الدجال . فقيل : أكذب من مسيلمة الحنفي .
*** باقل :
هو : ؟
* ضرب فيه المثل لغفلته ، فقيل : أعيا من باقل .
ومما يحكى عنه : أنه اشترى شاة بأحد عشر درهما فسئل : بكم اشتريت الشاة ؟
ففتح يديه جميعا وأشار بأصابعه ، وأخرج لسانه ، ليتم العدد أحد عشر !
* قال فيه حميد الأرقط :
تجهز كفاه و يحدر حلقه # # # إلى الزور ما ضمت علي الأنامل
أتانا وما سواه سحبان وائل # # # بيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللقم حتى كأنه # # # من العي لما أن تكلم باقل
وذكر علي بن عبيدة القلم فقال :
أصم يسمع النجوى ؛ أعيا من باقل ، وأبلغ من سحبان وائل ؛ يجهل الشاهد ، ويخبر الغائب
؛ ويجعل الكتب بين الإخوان ألسنا ناطقة ، وأعينا لاحظة ، وربما ضمنها من ودائع القلوب ما لا تبوح به الألسن عند المشاهدة .
سليك المقانب :
هو : يثربي بن سنان بن عمير بن الحارث بن عمير بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم . والسليك لقبه ، ونسب إلى أمه السلكة ؛ وكانت أمة سوداء .
أطلق عليه لقب سليك المقانب ؛ والمقانب : الذئاب الضارية .
فاتك عداء من شياطين الجاهلية ، ومن أغربة العرب ، ومن أشدهم وأدهاهم وأشعرهم ، ومن صعاليك العرب الذين يغزون على أرجلهم وحدهم بلا وال عليهم ، يلقب بالرئبال ( الذئب ) كان أدل الناس بالأرض ، وأعلمهم بمسالكها ، وأشدهم عدوا على رجليه ، لاتعلق به الخيل . له وقائع وأخبار كثيرة إلا أنه لم يكن يغير على مضر وإنما يغير على اليمن فإذا لم يمكنه ذلك أغار على ربيعة .
وكان يقول : اللهم انك تهيئ ما شئت لما شئت إذا شئت ، اللهم إني لو كنت ضعيفا كنت عبدا ، ولو كنت امرأة كنت أمة ، اللهم إني أعوذ بك من الخيبة ؛ أما الهيبة فلا هيبة .
ضرب به المثل في سرعة جريه ومضيه ؛ فقيل : أمضى من سليك المقانب.
والماضي : الأسد ، والسيف .
وذكروا أنه أملق مرة ( افتقر ) حتى لم يبق له شيء ، فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرة من بعض من يمر به ، فيذهب بإبله ، حتى أمسى في ليلة من ليالي الشتاء باردة مقمرة ، فاشتمل الصماء ، ثم نام . فبينما هو نائم إذ جثم رجل على صدره . وقال له : استأسر ؟
فرفع السليك إليه رأسه ، وقال : الليل طويل وأنت مقمر ؛ فجعل الرجل يلهزه ( يلكمه ) ويقول : استأسر يا خبيث ، فلما آذاه بذلك أخرج السليك يده ، وضمه ضمة ضرط منها ، فقال له : أضرطا وأنت الأعلى ( فذهبت مثلا ) ، ثم قال : من أنت ؟ فقال : أنا رجل افتقرت ، فقلت : لأخرجن فلا أرجع إلى أهلي حتى أستغني فآتيهم وأنا غني . قال الرجل : انطلق معي . فانطلق فوجدا رجلا قصته مثل قصتهما ، فاصطحبوا جميعا حتى أتوا الجوف ؛ جوف مراد ، فلما أشرفوا عليه إذا فيه نعم ( ابل وشاء ) قد ملأ كل شيء من كثرته ، فهابوا أن يغيروا فيطردوا بعضها ، فيلحقهم الطلب ، فقال لهما سليك : كونا قريبا مني حتى آتي الرعاء ، فأعلم لكما علم الحي : أقريب أم بعيد ، فان كانوا قريبا رجعت إليكما ، وان كانوا بعيدا قلت لكما قولا أوحي إليكما به فأغيرا .
فانطلق حتى أتى الرعاء فلم يزل يتسقطهم حتى أخبروه بمكان الحي ، فإذا هم بعيد ، إن طلبوا لم يدركوا ؛ فقال السليك للرعاء : ألا أغنيكم ؟ فقالوا : بلى ! غننا ، فرفع صوته وغنى :
وأذعر كلابا يقود كلابه # # # ومرجة لما اقتبستها بمقنب
يا صاحبي ألا لا حي بالوادي # # # سوى عبيد وآم بين أذواد
أتنظران قليلا ريث غفلتهم # # # أم تغدوان فان الريح للغادي
فلما سمعا ذلك أتيا السليك ، فأطردوا الإبل ، فذهبوا بها ، ولم يبلغ الصريخ الحي ؛ فيأتوهم بالإبل .
ومن شعره :
وليلة جابان كررت عليهم - و # # # على ساحة فيها الإياب حبيب
عشية كدت بالحرامي ناقة # # # بحيهلا يدعو بها فتجيب
فضاربت أولى الخيل حتى كأنما # # # أميل عليها أيدع وصبيب
قتله أسد بن مدرك الخثعمي ، وقيل : يزيد بن رويم الذهلي الشيباني ، سنة ( 16 قبل الهجرة ) .
قال أسد بن مدرك :
إني وقتلي سليكا ثم أعقله # # # كالثور يضرب لما عافت البقر
***خريم الناعم :
هو : خريم بن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان .
ضرب به المثل لحسن عيشه ، وغذاءه فقيل : أنعم من خريم الناعم .
دخل ذات يوم على معاوية بن أبي سفيان : فنظر معاوية إلى ساقيه فقال : أي ساقين ! لو أنهما على جارية ! فقال له خريم : في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين ! قال : واحدة بأخرى والبادي أظلم .
وقال له الحجاج بن يوسف الثقفي يوما : ما النعمة ؟ قال : الأمن ، فإني رأيت الخائف لا ينتفع بعيش . قال زدني . قال : الصحة فإني رأيت المريض لا ينتفع بعيش . قال له زدني . قال له : الغنى ، فإني رأيت الفقير لا ينتفع بعيش . قال له : زدني . قال : فالشباب ، فإني رأيت الشيخ لا ينتفع بعيش . قال له : زدني ، قال : ما أجد مزيدا .
هبنقة :
هو يزيد بن ثروان . ويقال : يزيد بن مروان أحد بني قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل . أبو نافع .
كان مضرب المثل في الحمق والغفلة ؛ فقيل :
أحمق من هبنقة . يلقب بذي الردعات .. قال الفرزدق :
فلو كان ذو الودع ابن ثروان # # # لالتوت به كفه أعني يزيد الهبنقا
وقال آخر :
عش بجد وكن هبنقة # # # يرضى بك الناس قاضيا حكما
ومن بعض أخبار قصص حمقه أنه جعل في عنقه قلادة من ودع وعظام وخزف ، وقال :
أخشى أن أضل نفسي ففعلت ذلك لأعرفها به ، فحولت القلادة ذات ليلة من عنقه لعنق أخيه فلما أصبح قال : يا أخي أنت أنا فمن أنا ؟
واختصم بنو طفاوة ( أبناء أعصر بن سعد بن قيس عيلان ) ، وبنو راسب ( أبناء راسب بن الخزرج بن جدة بن جرم بن ريان ) في رجل ادعى كل فريق أنه في عرافتهم ، فقال هبنقة :
حكمه أن يلقى في الماء فان طفا فهو من طفاوة وان رسب فهو من راسب ! فقال الرجل :
إن كان الحكم هذا فقد زهدت في الديوان .
***البراض :
هو البراض ( براء مشددة مفتوحة ) بن قيس بن رافع بن قيس بن جدي بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة .
ضرب فيه المثل لفتكه ، فقيل : أفتك من البراض .
وكان من خبر ذلك أن البراض بن قيس الكناني كان سكيرا ، فاسقا خلعه قومه وتبرءوا منه ، فشرب في بني الديل من عبدالقيس فخلعوه ، فأتى مكة وأتى قريشا ، فنزل على حرب بن أمية ( أبي سفيان ) فحالفه وأحسن جواره ، وشرب بمكة حتى هم حرب أن يخلعه ، فقال لحرب : انه لم يبق أحد ممن يعرفني إلا خلعني سواك ، وانك إن خلعتني لم ينظر الي أحد بعدك ، فدعني على حلفك وأنا خارج عنك ؛ وتركه وخرج .
وكان النعمان بن المنذر ملك الحيرة - كعادته كل عام - قد بعث إلى سوق عكاظ إذ ذاك بلطيمة ( العير التي تحمل الطيب وبز التجار ) يجيزها له سيد مضر ، فتباع ويشترى له بثمنها من الطائف الأدم ، والحرير ، والوكاء ( رباط يشد على فم القربة ) ، والبرود من العصب ، والوشي ، والمسير ، والعدني .
وكانت سوق عكاظ ( بين نخلة والطائف ) في أول ذي القعدة ، فلا تزال قائمة يباع فيها ويشترى إلى حضور الحج . وجهز النعمان عير اللطيمة ، ثم قال : من يجيزها ؟ فقال البراض : أنا أجيزها على بني كنانة - يريد أهل الحجاز - فقال النعمان : إنما أريد رجلا يجيزها على أهل نجد . فقال عروة الرحال بن عتبة بن جعفر العامري - وهو يومئذ رجل من هوازن : أكلب خليع يجيزها لك ! أبيت اللعن أنا أجيزها لك على أهل الشيح والقيصوم في أهل نجد وتهامة !
فقال له البراض : أعلى بني كنانة تجيزها يا عروة ؟ فقال عروة : وعلى الناس جميعا !
فدفعها النعمان إلى عروة بن عتبة ، فخرج بها ، وتبعه البراض ، وعروة يرى مكانه ولا يخشى منه شيئا ، لأنه بين ظهراني قومه من غطفان إلى جانب فدك ، حتى إذا كان بأرض يقال لها أوارة ( ماء لبني تميم ) نزل عروة ، وشرب من الخمر ، وغنته قينة ، ثم قام فنام . فجاء البراض فدخل عليه ، فناشده عروة وقال : كانت مني زلة ، وكانت الفعلة مني ضلة ! ولكن البراض قتله وخرج يرتجز ويقول :
قد كانت الفعلة مني ضلة # # # هلا على غيري جعلت الزلة
فسوف أعلو بالحسام القلة
ثم هرب عضاريط الإبل ( الخدم القائمون على الإبل ) ، واستاق اللطيمة إلى خيبر .
واتبعه رجلان من قيس ليأخذاه أحدهما المساور بن مالك الغطفاني ، والآخر أسد بن خيثم الغنوي حتى دخل خيبر ! فكان البراض أول من لقيهما ، فقال لهما : من الرجلان ؟
قالا : من قيس ؛ واحد منا من غطفان ، والآخر من غنى ؛ فقال البراض : وما شأن غطفان وغنى بهذه البلدة ؟ فقالا : ومن أنت ؟ فقال : من أهل خيبر ، قالا : ألك علم بالبراض بن قيس ؟ فقال : دخل علينا طريدا خليعا فلم يؤوه أحد من خيبر ولا أدخله بيته . قالا : فأين يكون ؟ فقال : وهل لكما به طاقة إن دللتكما عليه ؟ قالا : نعم . قال : فانزلا ! فنزلا ، وعقلا راحلتيهما .
ثم قال : فأيكما أجرأ عليه ، وأمضى مقدما ، وأحد سيفا ؟ فقال الغطفاني : أنا !
قال البراض : فانطلق أدلك عليه ، ويحفظ صاحبك راحلتيكما ففعل . وانطلق البراض يمشي بين يدي الغطفاني حتى انتهى إلى خربة في جانب خيبر خارجة عن البيوت .
فقال البراض : هو في هذه الخربة ، واليها يأوي ، فأنظرني حتى أنظر أهو فيها أم لا ؛ فوقف له ودخل البراض ، ثم خرج إليه وقال : هو نائم في البيت خلف الجدار عن يمينك إذا دخلت ؛ فهل عندك سيف فيه صرامة ؟ قال : نعم ، قال : هات سيفك أنظر إليه أصارم هو ؟
فأعطاه إياه ، فهزه البراض ثم ضربه به حتى قتله ، ووضع السيف خلف الباب . وأقبل على الغنوي ، فقال : ما وراءك ؟ قال : لم أر أجبن من صاحبك ؛ تركته قائما في الباب الذي فيه الرجل ، والرجل نائم ، لا يتقدم إليه ، ولا يتأخر عنه ! قال الغنوي : يا لهفاه !
لو كان أحد ينظر راحلتينا ! قال البراض : هما علي إن ذهبتا ، فانطلق الغنوي والبراض خلفه ، حتى إذا جاوز الغنوي باب الخربة أخذ البراض السيف من خلف الباب ؛ ثم ضربه حتى قتله ، وأخذ سلاحيهما ، وراحلتيهما وانطلق .
ولقي البراض بشر بن أبي خازم فقال له : هذه القلائص لك على أن تأتي حرب بن أمية ، وعبدالله بن جدعان ، وهشاما ، والوليد ابني المغيرة فتخبرهم أن البراض قتل عروة ، فإني أخاف أن يسبق الخبر إلى قيس أن يكتموه حتى يقتلوا به رجلا من قومك عظيم .
فقال له : وما يؤمنك أن تكون أنت ذلك القتيل . قال : إن هوازن لا ترضى أن تقتل بسيدها رجلا خليعا مثلي .
وكانت العرب إذا قدمت عكاظ دفعت أسلحتها إلى عبدالله بن جدعان حتى يفرغوا من أسواقهم ، وحجهم ، ثم يردها عليهم إذا ظعنوا - وكان سيدا حكيما مثريا من المال ، وكانت له جفنة يأكل منها القائم والراكب لعظمها ، وربما كان يحضر النبي صلى الله عليه وسلم طعامه - فجاء القوم وأخبروه خبر البراض وقتله عروة ، وأخبروا حرب بن أمية ، وهشاما ، والوليد ابني المغيرة . وجاء حرب إلى عبدالله بن جدعان فقال له : احتبس قبلك سلاح هوازن . فقال له ابن جدعان : أبالغدر تأمرني يا حرب ! والله لو أعلم أنه لا يبقى منها سيف إلا ضربت به ، ولا رمح إلا طعنت به ما أمسكت منها شيئا ؛ ولكن لكم مئة درع ، ومئة رمح ، ومئة سيف في مالي تستعينون بها .
ثم صاح ابن جدعان في الناس : من كان له قبلي سلاح ، فليأت وليأخذه . فأخذ الناس أسلحتهم . وبعث ابن جدعان ، وحرب بن أمية ، وهشام ، والوليد إلى أبي براء زعيم هوازن : أنه قد حدث في قومنا بمكة حدث أتانا خبره ، وقد خفنا تفاقم الأمر ، فلا تنكروا خروجنا ولا يردعنكم تحملنا . وساروا على كل صعب وذلول راجعين إلى مكة .
فلما كان آخر النهار أتى عامر بن مالك ملاعب الأسنة الخبر ، فقال : غدرت قريش ، وخدعني حرب بن أمية ، والله لا تنزل كنانة عكاظ أبدا ، ثم ركبوا في أثرهم حتى أدركوهم بنخلة ، فاقتتلوا حتى دخلت قريش الحرم ، وجن عليهم الليل فكفوا .
ونادى أحد بني عامر ( الأدرم بن شعيب ) : يا معشر قريش ؛ انا نعاهد الله أن لا نبطل دم عروة الرحال أبدا ونقتل به عظيما منكم ، وميعاد ما بيننا هذه الليلة من العام المقبل بعكاظ .
فقال حرب بن أمية لابنه : قل لهم إن موعدكم قابل في هذا اليوم .
فهاجت حرب الفجار الآخر بين هوازن كلها من جانب ، وقريش وكنانة من الجانب الآخر .
وكانت هذه الحروب قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بست وعشرين سنة ( عام 39 قبل الهجرة ) وقد شهدها النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربع عشرة سنة مع أعمامه . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كنت أنبل على أعمامي يوم الفجار وأنا ابن أربع عشرة سنة ؛ يعني أناولهم النبل ) .
وقد هاجها البراض بقتله عروة الرحال ابن عتبة بن جعفر بن كلاب العامري ؛ فأبت أن تقتل بعروة : البراض ؛ لأن عروة سيد هوازن ، والبراض خليع من بني كنانة ؛ أرادوا أن يقتلوا به سيدا من قريش .
أتمنى أن يعجبكم الموضوع....وآسفين على الإطالة
قالت العرب :
* أسخى من حاتم.
* وأشجع من ربيعة بن مكدم.
* وأدهى من قيس بن زهير.
* وأعز من كليب وائل.
* وأوفى من السموأل.
* وأذكى من اياس بن معاوية.
* وأسود من قيس بن عاصم.
* وأمنع من الحارث بن ظالم.
* وأبلغ من سحبان وائل.
* وأحلم من الأحنف بن قيس.
* وأصدق من أبي ذرالغفاري.
* وأكذب من مسيلمة الحنفي.
* وأعيا من باقل.
* وأمضى من سليك المقانب.
* وأنعم من خريم الناعم.
* وأحمق من هبنقة.
* وأفتك من البراض.
*** حاتم الطائي :
هو: حاتم بن عبدالله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن أخزم بن أبي أخزم بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيىء .
الجواد ، السخي ، ضرب به المثل لسخائه فقيل : أسخى من حاتم .
وقيل عنه : لم يكن حاتم ممسكا شيئا ما عدا سلاحه ، فانه كان لا يجود به .
قال عن نفسه :
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله # # # ويخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى # # # ولكنما وجه الكريم خصيب
وهو القائل لغلامه يسار ، وكان إذا اشتد البرد وكلب الشتاء أمر غلامه فأوقد نارا في يفاع من الأرض لينظر إليها من أضل الطريق ليلا فيصمد نحوه ، فقال في ذلك :
أوقد فان الليل ليل قر # # # والريح يا موقد ريح صر
عل يرى نارك من يمر # # # إن جلبت ضيفا فأنت حر
ومن خبره أنه مر يوما في سفره على قبيلة ( عنزة ) وفيهم أسير ، فاستغاث بحاتم ولم يحضره فكاكه ، فاشتراه من العنزيين وأطلقه وأقام مكانه في القيد حتى أدى فداه .
وأصابتهم سنة اقشعرت لها الأرض ، واغبر أفق السماء .. وفي ليلة من لياليها شديدة البرد قدمت عليه جارته فقالت له : أنا جارتك فلانة ، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب ، فما وجدت معولا إلا عليك يا أبا عدي ، فقال : أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم : فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي بجانبها أربعة ؛ كأنها نعامة حولها رئالها ؛ فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخر ، ثم كشطه عن جلده ، ودفع المدية إلى المرأة فقال لها : شأنك ؛ قالت زوجته
نوار : فاجتمعنا على اللحم نشوي ، ونأكل ، ثم جعل يمشي في الحي يأتيهم بيتا بيتا
فيقول : هبوا أيها القوم ، عليكم بالنار . فاجتمعوا والتفع في ثوبه ناحية ينظر إلينا ، فلا والله أن ذاق منه مزعة ، وانه لأحوج إليه منا ؛ فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلا عظم وحافر . وقصص جوده وسخائه أكثر من أن تحصى . توفي سنة ( 46 قبل الهجرة ) .
*** ربيعة بن مكدم :
هو ربيعة بن مكدم ( بميم مضمومة ، ودال مشددة مفتوحة ) بن عامر بن خويلد بن جذيمة بن علقمة بن فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة .
فارس العرب في الجاهلية ، وأحد فرسان كنانة المعدودين ، وشجعان العرب المشهورين ، يلقب بحامي الظعن ( الظعن : جمع ظعينة ، والظعينة : المرأة ما دامت في الهودج ) ، ضرب به المثل في الشجاعة ؛ فقيل : أشجع من ربيعة بن مكدم .
وكان بنو فراس - رهط ربيعة - أنجد العرب ، وكان الرجل منهم يعدل بعشرة من غيرهم ، وفيهم يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأهل الكوفة : وددت والله أن لي بجمعكم وأنتم مئة ألف ؛ ثلاثمئة من بني فراس .
* ومن خبر شجاعته ؛ أن دريد بن الصمة فارس هوازن خرج يوما في فوارس من بني جشم يريد الغارة على بني كنانة ؛ فلما كان بواد لبني كنانة في طرف الدهناء يقال له ( الأحزم ) رفع له رجل من ناحية الوادي ومعه ظعينة . فلما نظر إليه قال لفارس من أصحابه : صح به أن خل عن الظعينة ، وانج بنفسك - وهو لا يعرفه - فانتهى إليه الرجل ، وألح عليه ، فلما أبى ألقى زمام الراحلة وقال للظعينة :
سيري على رسلك سير الآمن ### سير رداح ذات جأش ساكن
إن انثنائي دون قرني شائني ### أبلي بلائي ، واخبري ، وعايني
ثم حمل على الفارس فصرعه ، وأخذ فرسه فأعطاه الظعينة .
فبعث دريد فارسا آخر لينظر ما صنع صاحبه ؛ فرآه صريعا ، فصاح به ، فتصام عنه ، فظن أنه لم يسمع فغشيه ، وألقى زمام الراحلة إلى الظعينة ، ثم حمل على الفارس فصرعه ، وهو يقول :
خل سبيل الحرة المنيعة ### انك لاق دونها ربيعة
في كفه خطية مطيعة ### أولا فخذها طعنة سريعة
فالطعن مني في الوغى شريعة
ثم حمل عليه فصرعه .
فلما أبطأ على دريد بعث فارسا آخر ، لينظر ما صنعا ، فانتهى إليهما ، فرآهما صريعين ، ونظر إليه يقود ظعينته ، ويجر رمحه ، فقال له الفارس : خل عن الظعينة . فقال لها ربيعة : اقصدي قصد البيوت ، ثم أقبل عليه فقال :
ماذا تريد من شتيم عابس ### ألم تر الفارس بعد الفارس
أرداهما عامل رمح يابس
ثم طعنه فصرعه ، فانكسر رمحه . ولما أبطأ عن دريد ارتاب ، وظن أنهم قد أخذوا الظعينة ، وقتلوا الرجل ، فلحق بهم فوجد ربيعة بن مكدم لا رمح معه ، وقد دنا من الحي ؛ ووجد أصحابه قد قتلوا ، فقال له دريد : أيها الفارس ؛ إن مثلك لا يقتل ، وان الخيل ثائرة بأصحابها ، ولا أرى معك رمحا ، وأراك حديث السن ؛ فدونك هذا الرمح ؛ فإني راجع إلى أصحابي فمثبطهم عنك . وأتى دريد أصحابه ، فقال : إن فارس الظعينة قد حماها ، وقتل فرسانكم ، وانتزع رمحي ، ولا طمع لكم فيه ؛ فانصرف القوم ،
وقال دريد :
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ### حامي الظعينة فارسا لم يقتل
ترى الفوارس من مخافة رمحه ### مثل البغاث خشين وقع الأجدل
ياليت شعري من أبوه وأمه ؟ ### يا صاح من يك مثله لم يجهل
* وفاته : رماه نبيشة بن حبيب السلمي بسهم يوم الكديد ، فمات مثخنا بجراحه ، وهو يومئذ غلام له ذؤابة . وذلك عام ( 66 قبل الهجرة ) .
وكان يعقر على قبره في الجاهلية . ولم يعقر على قبر أحد غيره .
*** قيس بن زهير :
هو قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس .
صاحب الحصان داحس، والفرس الغبراء ، الذين بسببهما وقعت الحرب مع بني ذبيان ، فسميت بحرب ( داحس والغبراء ) .
سيد بني عبس ، وكان يلقب بقيس الرأي ، لجودة رأيه ، وقد ضرب به المثل في الدهاء
فقيل : أدهى من قيس بن زهير .
وكان أيضا مجربا ؛ ذكروا من دهائه أنه مر ببلاد غطفان ، فرأى ثروة ، وعديدا ، فكره ذلك ، فقال له الربيع بن زياد : انه يسوؤك ما يسر الناس ! فقال : يا ابن أخي ، انك لا تدري ؛ إن مع الثروة ، والنعمة التحاسد ، والتباغض ، والتخاذل ، وان مع القلة التعاضد ، والتوازر ، والتناصر .
وكان يقول : أربعة لا يطاقون : عبد ملك ، ونذل شبع ، وأمة ورثت ، وقبيحة تزوجت .
قال بعد قتله حذيفة بن بدر زعيم بني ذبيان :
شفيت النفس من حمل بن بدر ### وسيفي من حذيفة قد شفاني
شفيت بقتلهم لغليل صدري ### ولكني قطعت بهـم بناني
فلا كانت الغبرا ولا كان داحس ### ولا كان ذاك اليوم يوم دهاني
هام على وجهه بعد انتهاء حرب داحس والغبراء ؛ فلحق بالنمر بن قاسط ، وتزوج فيهم ، وأقام فيهم زمنا ، ثم رحل عنهم إلى عمان فأقام بها إلى أن مات هناك عام 9 هجرية .
*** كليب وائل :
هو وائل بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب . وكليب لقبه .
ولد سنة 187 قبل الهجرة ، ونشأ في حجر أبيه ، ودرب على الحرب ، ثم تولى رياسة الجيش لبكر ، وتغلب زمنا ..
اجتمعت معد كلها تحت قيادته لحرب اليمن في يوم من أعظم أيام العرب في الجاهلية عند جبل خزاز ( غرب مدينة دخنة في القصيم ) ، وكانت معد لا تستنصف من اليمن ، ولم تزل اليمن قاهرة لها حتى كان هذا اليوم فانتصرت معد ، ولم تزل لها المنعة حتى جاء الإسلام ..
قال هشام بن محمد بن السائب : لم تجتمع معد كلها إلا على ثلاثة رهط من رؤساء العرب ، وهم : عامر بن الظرب يوم البيداء حين تمذحجت مذحج ، وسارت إلى تهامة . وربيعة بن الحارث - والد كليب - يوم السلان . وكليب حين قاد جموع معد يوم خزازي .
وبعد انتصاره على مذحج يوم خزاز ، اجتمعت على رئاسته معد كلها ، فجعلوا له قسم الملك ، وتاجه ، ونجيبته ، وطاعته ، وغبر بذلك حينا من دهره ، ثم دخله زهو شديد ، وبغى على قومه لما هو فيه من عزة ، وانقياد معد له . حتى بلغ من بغيه أنه كان يحمي مواقع السحاب فلا يرعى حماه ، وإذا جلس لا يمر أحد بين يديه إجلالا له ، ولا يحتبي أحد في مجلسه غيره ، ولا يغير إلا بإذنه ، ولا تورد ابل أحد مع ابله ، ولا توقد نار مع ناره ، ولم يكن بكري ولا تغلبي يجير رجلا ، ولا بعيرا ، أو يحمي حمى إلا بأمره ، وكان يجير على الدهر فلا تخفر ذمته ، وكان يقول : وحش أرض كذا في جواري ، فلا يهاج ! وكان هو الذي ينزل القوم منازلهم ، ويرحلهم ، ولا ينزلون ولا يرحلون إلا بأمره ، وقد بلغ من عزته ، وبغيه أنه اتخذ جرو كلب ، فكان إذا نزل منزلا به كلأ قذف ذلك الجرو فيه فيعوي ، فلا يرعى أحد ذلك الكلأ إلا بإذنه ، وكان يفعل هذا بحياض الماء فلا يردها أحد إلا بإذنه أو من آذن بحرب ، فضرب به المثل في العز فقيل : أعز من كليب وائل . وكان يحمي الصيد فيقول : صيد ناحية كذا وكذا في جواري فلا يصيد أحد منه شيئا .
قيل انه مر يوما بمرعى فيه قبرة وقد باضت ، فلما رأته صرصرت ، وخفقت بجناحيها ، فقال :
من روعك ؟ أنت في ذمتي ، ثم أنشد :
يالك من قبرة بمعمري # # # لا ترهبي خوفا ولا تستنكري
قد ذهب الصياد عنك فابشري # # # ورفع الفخ فماذا تحذري
خلا لك الجو فبيضي واصفري # # # ونقري ما شئت أن تنقري
فأنت جاري من صروف الحذر # # # إلى بلوغ يومـك المقـدر
* قتله جساس بن مرة البكري غيلة على غدير الذنائب سنة 132 قبل الهجرة ، حيث أن قبيلة بكر بن وائل ، وتغلب بن وائل ظعنتا ؛ فمرت بكر بن وائل على نهي ( غدير ) يقال له شبيت ، فنفاهم كليب عنه ، وقال : لا يذوقون منه قطرة ، ثم مروا على نهي آخر يقال له الأحص ، فنفاهم عنه وقال : لا يذوقون منه قطرة ، ثم مروا على بطن وادي الجريب فمنعهم إياه ، فمضوا حتى نزلوا الذنائب ، واتبعهم كليب وحيه حتى نزلوا عليه ، فمر عليه جساس ومعه ابن عمه عمرو بن الحارث بن ذهل ، وهو واقف على غدير الذنائب ، فقال له : طردت أهلنا عن المياه حتى كدت تقتلهم عطشا ! فقال كليب : ما منعناهم من ماء إلا ونحن له شاغلون . فقال له جساس : هذا كفعلك بناقة خالتي ( يعني البسوس ) ، فقال له : أو قد ذكرتها ! أما إني لو وجدتها في غير ابل مرة لاستحللت تلك الإبل بها ! أتراك مانعي أن أذب عن حماي !
فعطف عليه جساس فرسه فطعنه برمح فأنفذ حضنيه . فلما أحس بالموت قال : يا جساس ، اسقني من الماء . فقال : ما عقلت استسقاءك الماء منذ ولدتك أمك إلا ساعتك هذه . فالتفت إلى عمرو وقال له : يا عمرو ؛ أغثني بشربة ماء ، فنزل إليه وأجهز عليه . وضرب بهذا المثل القائل :
المستجير بعمرو عند كربته # # # كالمستجير من الرمضاء بالنار
قال المهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليبا :
كليب لا خير في الدنيا ومن فيها # # # إذ أنت خليتها فيمن يخليها
كليب أي فتى عز ومكرمة # # # تحت السقائف إذ يعلوك سافيها
نعى النعاة كليبا لي فقلت لهم # # # مالت بنا الأرض أو زالت رواسيها
وقامت بسبب قتل كليب حرب ( البسوس ) بين تغلب ، وبكر ؛ التي استمرت أربعين سنة .
*** السمو أل بن عادياء :
هو : السموءل بن حيا بن عادياء بن رفاعة بن الحارث بن ثعلبة بن كعب بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن الحارث بن قحطان .
شاعر جاهلي حكيم ، من سكان خيبر في شمال المدينة ، كان يتنقل بينها وبين حصن له في تيماء سماه ( الأبلق ) ، أشهر شعره لاميته ، وهي من أجود الشعر .
وكان معتنقا للديانة اليهودية ، وبه ضرب المثل في الوفاء ،
فقيل : أوفى من السموءل .
وكان من قصة وفاءه بالعهد أن امرؤ القيس بن حجر الكندي أستودع عنده امرأته ، وأدرعه ، وماله قبل ذهابه إلى قيصر الروم .. ولما مات امرؤ القيس عام 58 قبل الهجرة جاء الحارث بن أبي شمر المعروف بالأعرج إلى السموأل فطلب منه دروع امرئ القيس ، وأسلحته ، فأبى السموءل ، وتحصن بحصنه الأبلق ، فأخذ الحارث ابنا له وناداه : أما أن تسلم الأدرع لي ، وإما قتلت ولدك . فأبى أن يسلم الأدرع . فضرب وسط الغلام بالسيف فقطعه وأبوه يراه وانصرف . ثم جاء السموأل إلى ورثة امرئ القيس وسلمهم الأدرع . فضرب به المثل في الوفاء ؛ فقيل : أوفى من السموأل .
ومن أشعاره قوله :
وما مات منا سيد حتف أنفه # # # ولا طل منا حيث كان قتيل
تسيل على حد الظبات نفوسنا # # # وليس على غير السيوف تسيل
وقوله :
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه # # # فكل رداء يرتديه جميل
وان هو لم يحمل على النفس ضيمها # # # فليس إلى حسن الثناء سبيل
إذا المرء أعيته المروءة يافعا # # # فمطلبها كهلا عليه ثقيل
وقوله :
تعيرنا أنا قليل عديدنا # # # فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا # # # عزيز وجار الأكثرين ذليل
* توفي سنة 63 قبل الهجرة .
*** اياس بن معاوية :
اياس بن معاوية بن قرة بن اياس بن هلال بن رئاب بن عبيد بن سواءة بن سارية بن ذبيان بن ثعلبة بن سليم بن أوس بن عمرو بن أد ( مزينة ) بن طابخة بن الياس بن مضر .
القاضي ، أبو وائلة ، ضرب فيه المثل لذكائه فقيل : أذكى من اياس بن معاوية .
ولا ه عمر بن هبيرة الفزاري القضاء ، في عهد يزيد بن عبدالملك ، وأعطاه مئة درهم ، وكانت أول مال تمولها .
وكان من خبر ذكائه أن رجلا استودع رجلا مالا ثم طلبه فجحده فخاصمه إلى القاضي اياس بن معاوية . فقال الطالب : إني دفعت المال إليه . قال : ومن حضر . قال : دفعته في مكان كذا وكذا ، ولم يحضرنا أحد . قال : فأي شيء في ذلك الموضع . قال : شجرة . قال : فانطلق إلى ذلك الموضع ، وانظر الشجرة فلعل الله تعالى يوضح لك هناك ما يتبين به حقك ؛ لعلك دفنت مالك عند الشجرة ونسيت ؛ فتتذكر إذا رأيت الشجرة ، فمضى الرجل .
قال اياس للمطلوب : اقعد حتى يرجع خصمك ، فقعد ، واياس يقضي وينظر إليه ساعة ، ثم قال له : يا هذا أترى صاحبك بلغ موضع الشجرة التي ذكر . قال : لا . قال : يا عدو الله ؛ انك لخائن ! قال : أقلني أقالك الله . فأمر من يحتفظ به حتى جاء الرجل . فقال له اياس : قد أقر لك بحقك ، فخذه وانصرف .
ومن ذكائه أنه دخل عليه ثلاث نسوة . فقال : أما واحدة فمرضع ، والأخرى بكر ، والثالثة ثيب ! فقيل له : بم علمت ؟ قال : أما المرضع : فإنها لما قعدت أمسكت ثديها بيدها ، وأما البكر : فلما دخلت لم تلتفت إلى أحد ، وأما الثيب : فلما دخلت رمقت بعينيها يمينا وشمالا !
ومن أقواله :
كلمت الفرق كلها ببعض عقلي ، وكلمت القدري بعقلي كله ، فقلت له : دخولك فيما ليس لك ظلم منك ؟ قال : نعم . قلت : فان الأمر كله لله .
وقوله : لست بخب ، ولا الخب يخدعني .
*** قيس بن عاصم :
هو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم .
* ضرب به المثل في سيادته لقومه فقيل : أسود من قيس ين عاصم .
وقيل له : بم سودك قومك ؟ قال : بكف الأذى ، وبذل الندى ، ونصر المولى .
وفد قيس بن عاصم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبسط له رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه ، وقال :
( هذا سيد الوبر ) ، وذلك لسؤدده في قومه بالذب عن حريمهم ، وبذله رفده لهم .
ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات قومه .
من أقوال قيس بن عاصم رضي الله عنه : الشيب خطام المنية .
وقال لبنيه لما حضرته الوفاة : احفظوا عني ، فلا أحد أنصح لكم مني ؛ إذا أنا مت فسودوا كباركم ، ولا تسودوا صغاركم فيحقر الناس كباركم .
قيل في رثائه :
عليك سلام الله قيس بن عاصم ### ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من ألبسته منك نعمة ### إذا زار عن شحط بلادك سلما
وما كان قيس هلكه هلك واحد ### ولكنه بنيان قــوم تهدما
*** الحارث بن ظالم :
هو : الحارث بن ظالم بن جذيمة بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان ؛ الفاتك المشهور .
ضرب فيه المثل فقيل : أمنع من الحارث بن ظالم ، حيث امتنع على الملك الأسود بن المنذر ، ولم يستطع الملك الأسود بن المنذر أن يظفر به بعد قتله خالد بن جعفر الكلابي العامري ، وهو في جواره .
ومثله قيل : أمنع من عقاب الجو . لعلوه وارتفاعه وصعوبة الحصول عليه ، وصيده ، والظفر به .
ومن حكاية ذلك أنه لما قتل خالد بن جعفر بن كلاب زهير بن جذيمة العبسي ضاقت به الأرض ، وعلم أن غطفان غير تاركيه ؛ فخرج حتى أتى الأسود بن المنذر ( أخي النعمان بن المنذر ) فاستجار به فأجاره ، ومعه أخوه عتبة بن جعفر .
ونهض قيس بن زهير فتهيأ لمحاربة بني عامر ، وهجم الشتاء ؛ فقال الحارث بن ظالم : يا قيس ؛ أنتم أعلم وحربكم ، وأنا راحل إلى خالد حتى أقتله ، قال قيس : قد أجاره النعمان ، قال الحارث : لأقتلنه ولو كان في حجره !
اجتمع مع خالد بن جعفر الكلابي في بلاط الملك الأسود بن المنذر ( أخي النعمان بن المنذر ) ، وكان بينه وبين خالد بن جعفر عداوة قديمة ؛ حيث أن ظالم بن جذيمة هلك من جراح أصابته بعد أن أغار خالد بن جعفر على ذبيان يوم بطن عاقل فقتل الرجال حتى أسرف ، وبقيت النساء ، والحارث بن ظالم يومئذ صغير ، فنشأ على بغض خالد ..
فلما اجتمعا في بلاط الملك الأسود بن المنذر دعا لهما بتمر ، فجيء به على نطع فجعل بين أيديهم ، فطفق خالد يأكل ويلقي نوى ما يأكل من التمر بين يدي الحارث . فلما فرغ القوم قال خالد : أبيت اللعن ! أنظر إلى ما بين يدي الحارث من النوى ، فما ترك لنا تمرا إلا أكله ، فقال الحارث : أما أنا فأكلت التمر وألقيت النوى ، وأما أنت يا خالد فأكلته بنواه !
فغضب خالد - وكان لا ينازع - وقال : أتنازعني يا حارث وقد قتلت حاضرتك ، وتركتك يتيما في حجور النساء ؟ فقال الحارث : ذلك يوم لم أشهده ، وأنا مغن اليوم بمكاني . فقال خالد : ألا تشكر يدي عندك أن قتلت عنك سيد قومك زهير بن جذيمة وجعلتك سيد غطفان ؟ قال : بلى ، سأجزيك شكر ذلك !
فلما خرج الحارث قال الأسود لخالد : ما دعاك إلى أن تحترش بهذا الكلب وأنت ضيفي ؟ فقال له خالد : أبيت اللعن ! إنما هو عبد من عبيدي ، فوالله لو كنت نائما ما أيقظني .
وانصرف خالد إلى قبته ، فلامه أخوه عتبة بن جعفر فقال له : ما أردت بكلامه وقد عرفته فتاكا ! فقال خالد : وما تخوفني منه ؟ فوالله لو رآني نائما ما أيقظني . ثم أشرج خالد قبته عليه وعلى أخيه وناما .
وانصرف الحارث إلى رحله ، وكان معه تبيع له من بني محارب يقال له خراش ، فلما هدأت العيون أخرج الحارث ناقته وقال لخراش : كن لي بمكان كذا ، فان طلع كوكب الصبح ( الزهرة ) ولم آتك فانظر أي البلاد أحب إليك فاغمد لها . فلما هدأت العيون خرج بسيفه حتى أتى قبة خالد ، فهتك شرجها بسيفه ، ثم ولجها ، فرأى خالدا نائما وأخوه إلى جنبه ، فأيقظ خالدا فاستوى قائما ، فقال له : أتعرفني ؟ قال : أنت الحارث ! فقال : يا خالد ؛ أظننت أن دم زهير كان سائغا لك ، فخذ جزاء يدك عندي ! وضربه بسيفه المعلوب فقتله ، وانتبه عتبة ، فقال له الحارث : لئن نبست لألحقنك به ! ثم خرج من القبة وركب فرسه ومضى على وجهه . وخرج عتبة صارخا : واجوار الملك ! حتى أتى باب الأسود ، فنادى : يا سوء جواراه ! فأجيب : لا روع عليك ! فقال : دخل الحارث على خالد فقتله ، وأخفر ذمة الملك .
قال الحارث : فلما سرت قليلا خفت أن أكون لم أقتله ، فعدت متنكرا واختلطت بالناس ، ودخلت عليه فضربته بالسيف حتى تيقنت أنه مقتول ، وعدت فلحقت بقومي .
وجه الأسود فوارس في طلب الحارث فلحقوه سحرا ، فعطف عليهم ، فقتل جماعة منهم وكثروا عليه ، فجعل لا يقصد لجماعة إلا فرقها ، ولا لفارس إلا قتله . فارتدع القوم عنه ، وانصرفوا إلى الأسود .
ولما رجع الحارث إلى قومه تشاءموا به ولاموه ، وأبوا أن يجيروه فكره أن يكون لهم عليه منة ، فهرب ونبت في البلاد . ثم أخذ يتنقل بين القبائل فلحق بعروض اليمامة وأتى صديقا له من كندة فالتف عليه.. ثم ذهب إلى بني عجل بن لجيم .. ثم إلى جبلي طيء .. وكل ذلك وهو ممتنع من الأسود بن المنذر .. ثم لحق ببلاد غطفان .. حتى أتى سنان بن أبي حارثة المري ، فوجد عنده شرحبيل ابن الملك الأسود بن المنذر ، وكان مسترضعا في بني مرة عند سلمى امرأة سنان ؛ فقتله . وهرب الحارث من فوره ذلك ، وهرب سنان بن أبي حارثة ، فلما بلغ الأسود قتل ابنه شرحبيل ، غزا بني ذبيان ، فقتل وسبى ، وأخذ الأموال ، وأغار على بني دودان بن أسد رهط سلمى التي كان شرحبيل في حجرها ..
وبعد ذلك هرب الحارث بن ظالم إلى بني تميم فلجأ إلى معبد بن زرارة فاستجار به فأجاره ، فكانت بسببه وقعة رحرحان ( جبل قريب من عكاظ ) عام 96 قبل الهجرة ؛ التي غزا فيها الأحوص بن جعفر الكلابي ( أخي خالد بن جعفر ) بني تميم فهزمهم .. ثم هرب الحارث حتى لحق بمكة و قريش ؛ لأنه يقال إن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان ، إنما هو مرة بن عوف بن لؤي بن غالب ؛ فتوسل إليهم بهذه القرابة ، وقال في ذلك :
إذا فارقت ثعلبة بن سعد # # # واخوتهم نسبت إلى لؤي
إلى نسب كريم غير دغل # # # وحي من أكارم كل حي
فان يك منهم أصلي فمنهم # # # قرابين الإله بنو قصي
فقالوا هذه رحم كرشاء ( بعيدة ) إذا استغنيتم عنها لن يتركم . قال : فشخص الحارث عنهم غضبان . وقال في ذلك :
ألا لستم منا ولا نحن منكم # # # برئنا إليكم من لؤي بن غالب
غدونا على نشز الحجاز وأنتم # # # بمنشعب البطحاء بين الأخاشب
ثم توجه إلى الشام ولحق بالملك يزيد بن عمرو الغساني فأجاره وأكرمه .. ثم قتل الحارث بن ظالم الخمس التغلبي الكاهن .. فلما فعل ذلك دعا به الملك فأمر بقتله ، فقال : أيها الملك انك قد أجرتني فلا تغدرن بي ! فقال الملك : لا ضير ، إن غدرت بك مرة فقد غدرت بي مرارا !وأمر ابن الخمس فقتله ( كان ذلك عام 24 قبل الهجرة ) ، وأخذ ابن الخمس سيف الحارث فأتى به عكاظ في الأشهر الحرم ، فأراه قيس بن زهير العبسي ، فضربه قيس فقتله ، وقال يرثي الحارث بن ظالم :
وما قصرت من حاضن ستر بيتها # # # أبر وأوفى منك حار بن ظالم
أعز وأحمى عند جار وذمة # # # وأضرب في كاب من النقع قاتم
*** سحبان وائل :
هو : ؟
* ضرب فيه المثل لبلاغته وفصاحته فقيل : أبلغ من سحبان وائل.
من أقواله :
العقل بالتجارب ؛ لأن عقل الغريزة سلم إلى عقل التجربة .
وقال حميد الأرقط :
تجهز كفاه و يحدر حلقه # # # إلى الزور ما ضمت علي الأنامل
أتانا وما سواه سحبان وائل # # # بيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللقم حتى كأنه # # # من العي لما أن تكلم باقل
وذكر علي بن عبيدة القلم فقال :
أصم يسمع النجوى ؛ أعيا من باقل ، وأبلغ من سحبان وائل ؛ يجهل الشاهد ، ويخبر الغائب
؛ ويجعل الكتب بين الإخوان ألسنا ناطقة ، وأعينا لاحظة ، وربما ضمنها من ودائع القلوب ما لا تبوح به الألسن عند المشاهدة .
*** الأحنف بن قيس :
هو الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين بن حفص بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم .
أبو بحر ، سيد تميم ، ومن سادات التابعين ، ولد سنة 3 قبل الهجرة . أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ، وأسلم قومه بإشارته ، له رواية عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم .
* ضرب فيه المثل لحلمه فقيل : أحلم من الأحنف بن قيس.
* قيل له : ممن تعلمت قال : من قيس بن عاصم المنقري .
قال الأحنف : من لم يصبر على كلمة سمع كلمات .
وقال : آفة الحلم الذل .
وقال : لا حلم لمن لا سفيه له .
وقال : ما قل سفهاء قوم إلا ذلوا . وأنشد :
لا بد للسؤدد من رماح # # # ومن رجال مصلتي السلاح
يدافعون دونه بالراح # # # ومن سفيه دائم النباح
وقال : رب غيظ تجرعته مخافة ما هو أشد منه . وأنشد :
رضيت ببعض الذل خوف جميعه # # # كذلك بعض الشر أهون من بعض
وقال : ما نازعني أحد قط إلا أخذت أمري بإحدى ثلاث : إن كان فوقي عرفت قدره ، وان كان دوني أكرمت نفسي عنه ، وان كان مثلي تفضلت عليه .
وقال : وجدت الحلم أنصر لي من الرجال .
قيل للأحنف : ما الحلم ؟ فقال : قول إن لم يكن فعل ، وصمت إن ضر قول .
وكان الأحنف بن قيس : أعور ، أعرج ولكنه إذا تكلم جلا عن نفسه .
فقد قال له رجل يوما : بم سودك قومك وما أنت بأشرفهم بيتا ، ولا أصبحهم وجها ، ولا أحسنهم خلقا ؟ قال : بخلاف ما فيك يابن أخي . قال : وما ذاك ؟ قال : بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك .
وقال له رجل : علمني الحلم يا أبا بحر . قال : هو الذل يا بن أخي ، أفتصبر عليه ؟
وقال هشام بن عبدالملك لخالد بن صفوان : بم بلغ فيكم الأحنف ما بلغ ؟ قال : إن شئت أخبرتك بخلة ، وان شئت بخلتين ، وان شئت بثلاث . قال : ما الخلة ؟ قال : كان أقوى الناس على نفسه . قال : فما الخلتان ؟ قال : كان موقي الشر ، ملقي الخير . قال : فما الثلاث ؟ قال : كان لا يجهل ، ولا يبغي ، ولا يبخل .
دعا معاوية الأحنف بن قيس ، وسمرة بن جندب فقال : إني رأيت هذه الحمراء قد كثرت ، وأراها قد طعنت على السلف ، وكأني أنظر إلى وثبة منهم على العرب والسلطان ؛ فقد رأيت أن أقتل شطرا وأدع شطرا لإقامة السوق ، وعمارة الطريق ؛ فما ترون ؟
فقال الأحنف : أرى أن نفسي لا تطيب ؛ أخي لأمي ، وخالي ، ومولاي ، وقد شاركناهم وشاركونا في النسب . فظنت أني قد قتلت عنهم ؛ وأطرق .
فقال سمرة بن جندب : اجعلها إلي أيها الأمير ، فأنا أتولى ذلك منهم وأبلغ منه .
فقال : قوموا حتى أنظر في هذا الأمر .
فقال الأحنف : فقمنا عنه وأنا خائف ، وأتيت أهلي حزينا ؛ فلما كان بالغداة أرسل الي ، فعلمت أنه أخذ برأيي ، وترك رأي سمرة . توفي بالكوفة سنة 72 هجرية .
*** أبو ذرالغفاري :
هو : جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة . الصحابي الجليل رضي الله عنه .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيكم يلقاني على الحال الذي أفارقه عليه ؟
فقال أبو ذر : أنا . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما أقلت الغبراء ، ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ؛ من سره أن ينظر إلى زهد عيسى فلينظر إلى أبي ذر ) . لذلك ضرب فيه المثل لصدقه ، فقيل : أصدق من أبي ذر الغفاري .
وكان رضي الله خامسا في الإسلام ، لكنه رجع إلى بلاد قومه ، فأقام حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة .
وفي شهر رجب من السنة التاسعة من الهجرة تجمع نصارى العرب مع جند الروم لمحاربة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ووصلت مقدمتهم إلى البلقاء من أرض الشام ..
فعلم بتجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فأمر أصحابه بالتهيؤ لغزوهم ، وذلك في زمن عسرة من الناس ، وشدة من الحر ، وجدب من البلاد ، وحين طابت الثمار ، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ، ويكرهون الشخوص عنها ..
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها ، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يقصد إليه ، إلا غزوة تبوك فانه بينها للناس ؛ لبعد الشقة ، وشدة الزمان ، وكثرة العدو الذي يصمد له ، ليتأهب الناس لذلك أهبته .. أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز ، وأخبرهم أنه يريد غزو الروم ؛ فتجهز الناس ، على ما في أنفسهم من الكره لذلك الوجه ، لما عرفوا من كثرة الروم وقوتهم ، واثاقل بعض المنافقين ، وعرف الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم فراسته حينا ، وبوحي الله أحيانا ...
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرا ، فجعل يتخلف عنه الرجل ، فيقال : يا رسول الله ، تخلف فلان ، فيقول : دعوه فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم ، وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه . حتى قيل : يا رسول الله ؛ قد تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره ،
فقال : دعوه فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم ، وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه .
وتلوم ( تلبث ، وانتظر ) أبو ذر على بعيره ، فلما أبطأ به أخذ متاعه فحمله على ظهره ، ثم خرج يتبع أثر الرسول ماشيا ، ونزل الرسول في بعض منازله ، فنظر ناظر من المسلمين . فقال : يا رسول الله ؛ إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده ! قال الرسول صلى الله عليه وسلم : كن أبا ذر ! لما تأمله القوم قالوا : هو والله أبو ذر ! فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : رحم الله أبا ذر ! يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده .
فضرب الدهر ضربانه وتولى عثمان بن عفان رضي الله عنه الخلافة .. فدخل أبو ذر في رهط من غفار على عثمان من باب لا يدخل عليه منه ‘ فانتهى إليه ، فسلم ، وحسر عن رأسه ، ثم ما بدأه بشيء إلا أن قال : أحسبتني منهم يا أمير المؤمنين ؟ والله ما أنا منهم ولا أدركهم ( يقصد الخوارج ) ، قال ابن شوذب : سيماهم الحلق . قال له عثمان : صدقت يا أبا ذر ؛ إنما أرسلنا إليك لتجاورنا في المدينة . قال : لا حاجة لي في ذلك ، ائذن لي إلى الربذة . قال : نعم ، ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة ، تغدو عليك وتروح . قال : لا حاجة لي في ذلك ، يكفي أبا ذر صريمته . ثم استأذنه بالذهاب إلى الربذة ، فلما خرج قال : دونكم معاشر قريش ، دنياكم فاعذموها ، ودعونا وربنا ...
قالت أم ذر : والله ما سير عثمان أبا ذر - تعني إلى الربذة - ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا بلغ البناء سلعا ، فاخرج منها ) .
فلما حضرته الوفاة ، أوصى امرأته وغلامه ، فقال : إذا مت فاغسلاني وكفناني ، وضعاني على الطريق ، فأول ركب يمرون بكم فقولا : هذا أبو ذر .
فلما مات رضي الله عنه فعلا به ذلك ، فاطلع ركب ، فما علموا به حتى كادت ركائبهم توطأ السرير . فإذا عبدالله بن مسعود في رهط من أهل الكوفة عمارا ، فقال : ما هذا ؟ قال الغلام : هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم . فاستهل ابن مسعود رضي الله عنه يبكي ، وقال : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يرحم الله أبا ذر ؛ يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده ) .
فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه . وكانت و فاته رضي الله عنه ، وأرضاه لأربع سنين بقيت من أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه .
*** مسيلمة الحنفي :
هو : مسيلمة بن ثمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن عدي بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل .
* ضرب فيه المثل لكذبه بادعائه النبوة ، فقيل : أكذب من مسيلمة الحنفي .
* وكان من خبره أن وفد بني حنيفة قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم من اليمامة في سنة عشر للهجرة ، وتركوا مسيلمة بن ثمامة في رحالهم ، فلما أسلموا ذكروا مكانه ، فقالوا : يا رسول الله ، انا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا وفي ركابنا يحفظها لنا .
فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر به للقوم ، وقال : أما انه ليس بشركم مكانا . ثم انصرفوا . وجاءوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد وتنبأ لهم ، وقال : إني قد أشركت في الأمر معه ! وقال لمن كان معه في وفد بني حنيفة : ألم يقل لكم حين ذكرتموني له : أما انه ليس بشركم مكانا ! وما ذاك إلا لأنه كان يعلم أني قد أشركت في الأمر معه . ثم جعل يسجع لهم الأساجيع ؛
فمن أقواله :
الفيل ما الفيل ، وما أدراك ما الفيل ؛ له ذيل أثيل ، وشفر طويل ..
يا ضفدع يابن ضفدعين ، نقي كما تنقين ، فأعلاك في الماء ، وأسفلك في الطين ، لا الشراب تمنعين ، ولا الماء تكدرين ، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ، ولكن قريش قوم لا يعدلون .
والزارعات زرعا ، فالحاصدات حصدا ، فالطاحنات طحنا ، فالعاجنات عجنا ، فالخابزات خبزا ..
انا أعطيناك الرحراح فصل لربك وارتاح . فقيل له : يا رسول الله ؛ وما الرحراح ؟ فقال : لم يخبرني جبريل بذلك !
* وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ، سلام عليك ؛ أما بعد : فإني قد أشركت في الأمر معك ، وان لنا نصف الأرض ، ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشا قوم يعتدون .
وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم رسولان بهذا الكتاب ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم حين قرأ كتاب مسيلمة : فماذا تقولان أنتما ؟ قالا : نقول مثل ما قال . فقال : أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقيكما !
ثم كتب صلى الله عليه وسلم إلى مسيلمة : بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب : سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ، والعاقبة للمتقين .
فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعث خليفة المسلمين أبو بكر الصديق رضي الله عنه السرايا إلى المرتدين أرسل عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه في عسكر إلى مسيلمة ، وأتبعه شرحبيل بن حسنة ، وكان مسيلمة قد اشتد أمره ، والتف حوله أربعون ألف مقاتل من بني حنيفة في اليمامة .
فسار عكرمة إلى اليمامة ، ولم ير أن ينتظر شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه ، ليكون ردءا له ، فخار النصر . وكان عكرمة بطلا مجربا ، وفارسا مغوارا ، وقد اجتمع في لوائه أبطال لهم في الحروب بلاء ، ولكنه لم يثبت لقوتهم ، ونكبه بنو حنيفة ، وعلم شرحبيل بهزيمتهم فأقام بالطريق ..
ولما قدم خالد بن الوليد رضي الله عنه على أبي بكر من البطاح ، أرسله إلى مسيلمة ، وأوعب معه الناس ، وجعل على الأنصار ثابت بن قيس ، والبراء بن عازب ؛ وعلى المهاجرين أبا حذيفة ، وزيد بن الخطاب ، وعلى كل قبيلة رجل .
وخرج خالد في جنده حتى أتى اليمامة ؛ وسلك ثنية ديراب حيث كان بنو حنيفة مستعدين هناك في جمعهم الكثيف وكان ذلك سنة إحدى عشرة للهجرة ..
ولما بلغ مسيلمة دنو خالد ضرب عسكره بعقرباء ( تسمى اليوم الجبيلة ) ، واستنفر الناس ، فجعلوا يخرجون إليه . التقى الناس ، ودارت المعركة ، واقتتلوا قتالا شديدا ، حتى انهزم المسلمون في بادئ الأمر .. لكنهم ثبتوا واستطاعوا الانتصار على جند مسيلمة بالمبارزات الفردية .. حتى فر جند مسيلمة إلى الحديقة ، وتحصنوا بها من هزيمتهم ، بعد أن خر الألوف منهم صرعى .. استطاع البراء بن مالك رضي الله عنه أن يفتح باب الحديقة بعدما اقتحم الحائط من الأعلى ، فدخلها المسلمون واقتتلوا قتالا شديدا ، وأبيد من في الحديقة منهم . وذهب فريق إلى مسيلمة يقولون : أين ما كنت تعدنا ؟ قال : قاتلوا عن أحسابكم ، ولم يلبث الصارخ أن صرخ : إن مسيلمة قد قتل ، إن العبد الأسود قتل مسيلمة !
حيث أن المسلمين حين دخلوا الحديقة من حيطانها خلصوا إلى مسيلمة وإذا هو واقف في ثلمة جدار ، كأنه جمل أورق ، وهو لا يعقل من الغيظ ، فتقدم إليه وحشي بن حرب
( مولى جبير بن مطعم ) رضي الله عنه فأصابه بحربته ، وسارع أبو دجانة رضي الله عنه فضربه بالسيف فسقط ، فنادت امرأة من القصر : واوا أمير الوضاءة ، قتله العبد الأسود !
* وهكذا طويت صفحة هذا الكذاب الدجال . فقيل : أكذب من مسيلمة الحنفي .
*** باقل :
هو : ؟
* ضرب فيه المثل لغفلته ، فقيل : أعيا من باقل .
ومما يحكى عنه : أنه اشترى شاة بأحد عشر درهما فسئل : بكم اشتريت الشاة ؟
ففتح يديه جميعا وأشار بأصابعه ، وأخرج لسانه ، ليتم العدد أحد عشر !
* قال فيه حميد الأرقط :
تجهز كفاه و يحدر حلقه # # # إلى الزور ما ضمت علي الأنامل
أتانا وما سواه سحبان وائل # # # بيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللقم حتى كأنه # # # من العي لما أن تكلم باقل
وذكر علي بن عبيدة القلم فقال :
أصم يسمع النجوى ؛ أعيا من باقل ، وأبلغ من سحبان وائل ؛ يجهل الشاهد ، ويخبر الغائب
؛ ويجعل الكتب بين الإخوان ألسنا ناطقة ، وأعينا لاحظة ، وربما ضمنها من ودائع القلوب ما لا تبوح به الألسن عند المشاهدة .
سليك المقانب :
هو : يثربي بن سنان بن عمير بن الحارث بن عمير بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم . والسليك لقبه ، ونسب إلى أمه السلكة ؛ وكانت أمة سوداء .
أطلق عليه لقب سليك المقانب ؛ والمقانب : الذئاب الضارية .
فاتك عداء من شياطين الجاهلية ، ومن أغربة العرب ، ومن أشدهم وأدهاهم وأشعرهم ، ومن صعاليك العرب الذين يغزون على أرجلهم وحدهم بلا وال عليهم ، يلقب بالرئبال ( الذئب ) كان أدل الناس بالأرض ، وأعلمهم بمسالكها ، وأشدهم عدوا على رجليه ، لاتعلق به الخيل . له وقائع وأخبار كثيرة إلا أنه لم يكن يغير على مضر وإنما يغير على اليمن فإذا لم يمكنه ذلك أغار على ربيعة .
وكان يقول : اللهم انك تهيئ ما شئت لما شئت إذا شئت ، اللهم إني لو كنت ضعيفا كنت عبدا ، ولو كنت امرأة كنت أمة ، اللهم إني أعوذ بك من الخيبة ؛ أما الهيبة فلا هيبة .
ضرب به المثل في سرعة جريه ومضيه ؛ فقيل : أمضى من سليك المقانب.
والماضي : الأسد ، والسيف .
وذكروا أنه أملق مرة ( افتقر ) حتى لم يبق له شيء ، فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرة من بعض من يمر به ، فيذهب بإبله ، حتى أمسى في ليلة من ليالي الشتاء باردة مقمرة ، فاشتمل الصماء ، ثم نام . فبينما هو نائم إذ جثم رجل على صدره . وقال له : استأسر ؟
فرفع السليك إليه رأسه ، وقال : الليل طويل وأنت مقمر ؛ فجعل الرجل يلهزه ( يلكمه ) ويقول : استأسر يا خبيث ، فلما آذاه بذلك أخرج السليك يده ، وضمه ضمة ضرط منها ، فقال له : أضرطا وأنت الأعلى ( فذهبت مثلا ) ، ثم قال : من أنت ؟ فقال : أنا رجل افتقرت ، فقلت : لأخرجن فلا أرجع إلى أهلي حتى أستغني فآتيهم وأنا غني . قال الرجل : انطلق معي . فانطلق فوجدا رجلا قصته مثل قصتهما ، فاصطحبوا جميعا حتى أتوا الجوف ؛ جوف مراد ، فلما أشرفوا عليه إذا فيه نعم ( ابل وشاء ) قد ملأ كل شيء من كثرته ، فهابوا أن يغيروا فيطردوا بعضها ، فيلحقهم الطلب ، فقال لهما سليك : كونا قريبا مني حتى آتي الرعاء ، فأعلم لكما علم الحي : أقريب أم بعيد ، فان كانوا قريبا رجعت إليكما ، وان كانوا بعيدا قلت لكما قولا أوحي إليكما به فأغيرا .
فانطلق حتى أتى الرعاء فلم يزل يتسقطهم حتى أخبروه بمكان الحي ، فإذا هم بعيد ، إن طلبوا لم يدركوا ؛ فقال السليك للرعاء : ألا أغنيكم ؟ فقالوا : بلى ! غننا ، فرفع صوته وغنى :
وأذعر كلابا يقود كلابه # # # ومرجة لما اقتبستها بمقنب
يا صاحبي ألا لا حي بالوادي # # # سوى عبيد وآم بين أذواد
أتنظران قليلا ريث غفلتهم # # # أم تغدوان فان الريح للغادي
فلما سمعا ذلك أتيا السليك ، فأطردوا الإبل ، فذهبوا بها ، ولم يبلغ الصريخ الحي ؛ فيأتوهم بالإبل .
ومن شعره :
وليلة جابان كررت عليهم - و # # # على ساحة فيها الإياب حبيب
عشية كدت بالحرامي ناقة # # # بحيهلا يدعو بها فتجيب
فضاربت أولى الخيل حتى كأنما # # # أميل عليها أيدع وصبيب
قتله أسد بن مدرك الخثعمي ، وقيل : يزيد بن رويم الذهلي الشيباني ، سنة ( 16 قبل الهجرة ) .
قال أسد بن مدرك :
إني وقتلي سليكا ثم أعقله # # # كالثور يضرب لما عافت البقر
***خريم الناعم :
هو : خريم بن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان .
ضرب به المثل لحسن عيشه ، وغذاءه فقيل : أنعم من خريم الناعم .
دخل ذات يوم على معاوية بن أبي سفيان : فنظر معاوية إلى ساقيه فقال : أي ساقين ! لو أنهما على جارية ! فقال له خريم : في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين ! قال : واحدة بأخرى والبادي أظلم .
وقال له الحجاج بن يوسف الثقفي يوما : ما النعمة ؟ قال : الأمن ، فإني رأيت الخائف لا ينتفع بعيش . قال زدني . قال : الصحة فإني رأيت المريض لا ينتفع بعيش . قال له زدني . قال له : الغنى ، فإني رأيت الفقير لا ينتفع بعيش . قال له : زدني . قال : فالشباب ، فإني رأيت الشيخ لا ينتفع بعيش . قال له : زدني ، قال : ما أجد مزيدا .
هبنقة :
هو يزيد بن ثروان . ويقال : يزيد بن مروان أحد بني قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل . أبو نافع .
كان مضرب المثل في الحمق والغفلة ؛ فقيل :
أحمق من هبنقة . يلقب بذي الردعات .. قال الفرزدق :
فلو كان ذو الودع ابن ثروان # # # لالتوت به كفه أعني يزيد الهبنقا
وقال آخر :
عش بجد وكن هبنقة # # # يرضى بك الناس قاضيا حكما
ومن بعض أخبار قصص حمقه أنه جعل في عنقه قلادة من ودع وعظام وخزف ، وقال :
أخشى أن أضل نفسي ففعلت ذلك لأعرفها به ، فحولت القلادة ذات ليلة من عنقه لعنق أخيه فلما أصبح قال : يا أخي أنت أنا فمن أنا ؟
واختصم بنو طفاوة ( أبناء أعصر بن سعد بن قيس عيلان ) ، وبنو راسب ( أبناء راسب بن الخزرج بن جدة بن جرم بن ريان ) في رجل ادعى كل فريق أنه في عرافتهم ، فقال هبنقة :
حكمه أن يلقى في الماء فان طفا فهو من طفاوة وان رسب فهو من راسب ! فقال الرجل :
إن كان الحكم هذا فقد زهدت في الديوان .
***البراض :
هو البراض ( براء مشددة مفتوحة ) بن قيس بن رافع بن قيس بن جدي بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة .
ضرب فيه المثل لفتكه ، فقيل : أفتك من البراض .
وكان من خبر ذلك أن البراض بن قيس الكناني كان سكيرا ، فاسقا خلعه قومه وتبرءوا منه ، فشرب في بني الديل من عبدالقيس فخلعوه ، فأتى مكة وأتى قريشا ، فنزل على حرب بن أمية ( أبي سفيان ) فحالفه وأحسن جواره ، وشرب بمكة حتى هم حرب أن يخلعه ، فقال لحرب : انه لم يبق أحد ممن يعرفني إلا خلعني سواك ، وانك إن خلعتني لم ينظر الي أحد بعدك ، فدعني على حلفك وأنا خارج عنك ؛ وتركه وخرج .
وكان النعمان بن المنذر ملك الحيرة - كعادته كل عام - قد بعث إلى سوق عكاظ إذ ذاك بلطيمة ( العير التي تحمل الطيب وبز التجار ) يجيزها له سيد مضر ، فتباع ويشترى له بثمنها من الطائف الأدم ، والحرير ، والوكاء ( رباط يشد على فم القربة ) ، والبرود من العصب ، والوشي ، والمسير ، والعدني .
وكانت سوق عكاظ ( بين نخلة والطائف ) في أول ذي القعدة ، فلا تزال قائمة يباع فيها ويشترى إلى حضور الحج . وجهز النعمان عير اللطيمة ، ثم قال : من يجيزها ؟ فقال البراض : أنا أجيزها على بني كنانة - يريد أهل الحجاز - فقال النعمان : إنما أريد رجلا يجيزها على أهل نجد . فقال عروة الرحال بن عتبة بن جعفر العامري - وهو يومئذ رجل من هوازن : أكلب خليع يجيزها لك ! أبيت اللعن أنا أجيزها لك على أهل الشيح والقيصوم في أهل نجد وتهامة !
فقال له البراض : أعلى بني كنانة تجيزها يا عروة ؟ فقال عروة : وعلى الناس جميعا !
فدفعها النعمان إلى عروة بن عتبة ، فخرج بها ، وتبعه البراض ، وعروة يرى مكانه ولا يخشى منه شيئا ، لأنه بين ظهراني قومه من غطفان إلى جانب فدك ، حتى إذا كان بأرض يقال لها أوارة ( ماء لبني تميم ) نزل عروة ، وشرب من الخمر ، وغنته قينة ، ثم قام فنام . فجاء البراض فدخل عليه ، فناشده عروة وقال : كانت مني زلة ، وكانت الفعلة مني ضلة ! ولكن البراض قتله وخرج يرتجز ويقول :
قد كانت الفعلة مني ضلة # # # هلا على غيري جعلت الزلة
فسوف أعلو بالحسام القلة
ثم هرب عضاريط الإبل ( الخدم القائمون على الإبل ) ، واستاق اللطيمة إلى خيبر .
واتبعه رجلان من قيس ليأخذاه أحدهما المساور بن مالك الغطفاني ، والآخر أسد بن خيثم الغنوي حتى دخل خيبر ! فكان البراض أول من لقيهما ، فقال لهما : من الرجلان ؟
قالا : من قيس ؛ واحد منا من غطفان ، والآخر من غنى ؛ فقال البراض : وما شأن غطفان وغنى بهذه البلدة ؟ فقالا : ومن أنت ؟ فقال : من أهل خيبر ، قالا : ألك علم بالبراض بن قيس ؟ فقال : دخل علينا طريدا خليعا فلم يؤوه أحد من خيبر ولا أدخله بيته . قالا : فأين يكون ؟ فقال : وهل لكما به طاقة إن دللتكما عليه ؟ قالا : نعم . قال : فانزلا ! فنزلا ، وعقلا راحلتيهما .
ثم قال : فأيكما أجرأ عليه ، وأمضى مقدما ، وأحد سيفا ؟ فقال الغطفاني : أنا !
قال البراض : فانطلق أدلك عليه ، ويحفظ صاحبك راحلتيكما ففعل . وانطلق البراض يمشي بين يدي الغطفاني حتى انتهى إلى خربة في جانب خيبر خارجة عن البيوت .
فقال البراض : هو في هذه الخربة ، واليها يأوي ، فأنظرني حتى أنظر أهو فيها أم لا ؛ فوقف له ودخل البراض ، ثم خرج إليه وقال : هو نائم في البيت خلف الجدار عن يمينك إذا دخلت ؛ فهل عندك سيف فيه صرامة ؟ قال : نعم ، قال : هات سيفك أنظر إليه أصارم هو ؟
فأعطاه إياه ، فهزه البراض ثم ضربه به حتى قتله ، ووضع السيف خلف الباب . وأقبل على الغنوي ، فقال : ما وراءك ؟ قال : لم أر أجبن من صاحبك ؛ تركته قائما في الباب الذي فيه الرجل ، والرجل نائم ، لا يتقدم إليه ، ولا يتأخر عنه ! قال الغنوي : يا لهفاه !
لو كان أحد ينظر راحلتينا ! قال البراض : هما علي إن ذهبتا ، فانطلق الغنوي والبراض خلفه ، حتى إذا جاوز الغنوي باب الخربة أخذ البراض السيف من خلف الباب ؛ ثم ضربه حتى قتله ، وأخذ سلاحيهما ، وراحلتيهما وانطلق .
ولقي البراض بشر بن أبي خازم فقال له : هذه القلائص لك على أن تأتي حرب بن أمية ، وعبدالله بن جدعان ، وهشاما ، والوليد ابني المغيرة فتخبرهم أن البراض قتل عروة ، فإني أخاف أن يسبق الخبر إلى قيس أن يكتموه حتى يقتلوا به رجلا من قومك عظيم .
فقال له : وما يؤمنك أن تكون أنت ذلك القتيل . قال : إن هوازن لا ترضى أن تقتل بسيدها رجلا خليعا مثلي .
وكانت العرب إذا قدمت عكاظ دفعت أسلحتها إلى عبدالله بن جدعان حتى يفرغوا من أسواقهم ، وحجهم ، ثم يردها عليهم إذا ظعنوا - وكان سيدا حكيما مثريا من المال ، وكانت له جفنة يأكل منها القائم والراكب لعظمها ، وربما كان يحضر النبي صلى الله عليه وسلم طعامه - فجاء القوم وأخبروه خبر البراض وقتله عروة ، وأخبروا حرب بن أمية ، وهشاما ، والوليد ابني المغيرة . وجاء حرب إلى عبدالله بن جدعان فقال له : احتبس قبلك سلاح هوازن . فقال له ابن جدعان : أبالغدر تأمرني يا حرب ! والله لو أعلم أنه لا يبقى منها سيف إلا ضربت به ، ولا رمح إلا طعنت به ما أمسكت منها شيئا ؛ ولكن لكم مئة درع ، ومئة رمح ، ومئة سيف في مالي تستعينون بها .
ثم صاح ابن جدعان في الناس : من كان له قبلي سلاح ، فليأت وليأخذه . فأخذ الناس أسلحتهم . وبعث ابن جدعان ، وحرب بن أمية ، وهشام ، والوليد إلى أبي براء زعيم هوازن : أنه قد حدث في قومنا بمكة حدث أتانا خبره ، وقد خفنا تفاقم الأمر ، فلا تنكروا خروجنا ولا يردعنكم تحملنا . وساروا على كل صعب وذلول راجعين إلى مكة .
فلما كان آخر النهار أتى عامر بن مالك ملاعب الأسنة الخبر ، فقال : غدرت قريش ، وخدعني حرب بن أمية ، والله لا تنزل كنانة عكاظ أبدا ، ثم ركبوا في أثرهم حتى أدركوهم بنخلة ، فاقتتلوا حتى دخلت قريش الحرم ، وجن عليهم الليل فكفوا .
ونادى أحد بني عامر ( الأدرم بن شعيب ) : يا معشر قريش ؛ انا نعاهد الله أن لا نبطل دم عروة الرحال أبدا ونقتل به عظيما منكم ، وميعاد ما بيننا هذه الليلة من العام المقبل بعكاظ .
فقال حرب بن أمية لابنه : قل لهم إن موعدكم قابل في هذا اليوم .
فهاجت حرب الفجار الآخر بين هوازن كلها من جانب ، وقريش وكنانة من الجانب الآخر .
وكانت هذه الحروب قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بست وعشرين سنة ( عام 39 قبل الهجرة ) وقد شهدها النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربع عشرة سنة مع أعمامه . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كنت أنبل على أعمامي يوم الفجار وأنا ابن أربع عشرة سنة ؛ يعني أناولهم النبل ) .
وقد هاجها البراض بقتله عروة الرحال ابن عتبة بن جعفر بن كلاب العامري ؛ فأبت أن تقتل بعروة : البراض ؛ لأن عروة سيد هوازن ، والبراض خليع من بني كنانة ؛ أرادوا أن يقتلوا به سيدا من قريش .
أتمنى أن يعجبكم الموضوع....وآسفين على الإطالة