مشاهدة النسخة كاملة : الوسطية في القران الكريم
عطر الحنان
07-08-08, 03:24 PM
تأليف
الدكتور / أحمد بن سعد بن غرم الغامدي
رئيس قسم الدراسات القرآنية و الإسلامية
في كلية المعلمين بالباحة
رئيس لجنة التنمية الاجتماعية المحلية ببالجرشي
بسم الله الرحمن الرحيم
" المقدمة "
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين ؛ محمد و على آلـه و صحبه أجمعين ، أما بعد :
فإن الوسطية هي المنهج الحق ، الذي ارتضاه الله جل و علا لعباده ، ديناً و دنياً، و هي السمَة البارزة لهذا الدين القويم في جميع الصعد ، و هي مطلب أساس على مستوى الفرد و الأمة ، و هي التي تتحصل بها العدالة ، و الخيرية ، و السعادة القصوى ، في الدنيا و الآخرة .
و قد تفضلت وزارة الدفاع و الطيران و المفتشية العامة ، ممثلة في إدارة الشؤون الدينية ، جائزة الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود الدولية في حفظ القرآن الكريم للعسكريين ، تفضلت مشكورة بدعوتي ، للمشاركة ببحث يكون ورقة عمل ، في ندوة الملتقى القرآني المصاحب لمسابقة جائزة الأمير سلطان الدولية ، لحفظ القرآن الكريم للعسكريين الثالثة بعنوان : " الوسطية في القرآن الكريم " فاستجبت لهذه الدعوة الكريمة ممنوناً لما فيها من التعاون على البر و التقوى و أداء لواجب النصيحة التي نحن أحوج ما نكون إليها الآن ، و قد جعلت البحث في سبعة مطالب و هي على النحو الآتي :
المطلب الأول : في التعريف بالوسطية .
المطلب الثاني : في مكانتها .
المطلب الثالث : في إمكانيتها .
المطلب الرابع : في أحكامها .
المطلب الخامس : في أسبابها .
المطلب السادس : في ميادينها .
المطلب السابع : في ثمراتها .
و قد تحريت صحة الدليل و الاستدلال ، و سهولة العبارة مع الاختصار الذي يفي بالمقصود . و وفق قواعد البحث العلمي .
هذا و الله أسأل أن يرشد فيه إلى أوضح طريق ، و أن يتقبله و يجعل لـه القبول . إنه سميع مجيب.
المؤلف
عطر الحنان
07-08-08, 03:25 PM
المطلب الأول : التعريف بالوسطية
( أ ) الوسطية في اللغة :
مأخوذة من مادة ( وسط ) . يقول ابن فارس – رحمه الله – : " الواو و السين و الطاء بناء صحيح يدل على العَدل و النِّصف ، و أعدل الشيء : أوسطه و وسطه ( ) .
و قال الدامغاني – رحمه الله – : " العدل . الوسط بعينه " ( ) .
و قال الفيروزآبادى – رحمه الله – : " الوسط من كل شيء أعدله " .
قال الله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً أي عدولاً خياراً ( ) .
و قال الرَّاغب – رحمه الله –: وسط الشيء مالـه طرفان متساويا القدر ، و يقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد إذا قلت وَسَطُهُ صُلْبُ و ضربت وسَطَ رأسه بفتح السين ، و يقال بسكون السين في الكمية المنفصلة ، كشيء يفصل بين جسمين نحو وسط القوم ، و الوسط تارة يقال فيما لـه طرفان مذمومان ، يقال هذا أوسطهم حسباً إذا كان في واسطة قومه و أرفعهم محلاً . و كالجود الذي هو بين البخلو السرف ... و تارة يقال فيما لـه طرف محمود و آخر مذموم كالخير و الشر أو الجودة و الرداءة ، تقول من هذا المعنى : شيء وسط : أي بين الجيد و الرديء ، و يقال : فلان وسط في قومه ، إذا كان أوسطهم نسباً و أرفعهم مجداً . و في صفة نبينا – – ، أنه كان من أوسط قومه : أي خيارهم . فوسط الوادي : خير مكان فيه ، و كذلك كان نبينا – – من خير مكان في نسب العرب ، و أمته أيضاً كذلك جعلت وسطاً أي خياراً ( ) .
( ب ) اصطلاحاً :
الوسطية : نسبة إلى الوسط : و هي العدالة و الخيرية يقول الكفوى – رحمه الله – : " الوسط : اسم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط و تفريط " ( ) .
و قال ابن القيم – رحمه الله – : " الوسط الموضوع بين طرفي الإفراط و التفريط و هو العدل " ( ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
( ) المقاييس : 1091 ط. دار الفكر .
( ) الوجوه و النظائر في القرآن الكريم : 488 ط. دار المعرفة .
( ) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز : 5 / 209 ط .
( ) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ( 559 – 560 ) ط . دار الفكر .
( ) الكليات : ( 939 ) ط : مؤسسة الرسالة الثانية 1413 هـ .
( ) الفوائد : 139 .
عطر الحنان
07-08-08, 03:27 PM
عند ابن كثير – رحمه الله – : " الوسط الخيار و الأجود " ( ) .
قال الله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ [ البقرة / 143] .
( جـ ) شرح التعريف :
بشرح مفردات التعريف نقف على معنى الوسطية واضحاً . و من مفرداتها :
أولاً : الوساطة بمعنى الحسن و الفضل ( ) ، و الخيار .
1- الحسن : عبارة عن كل مبهج مرغوب فيه و ذلك ثلاثة أضرب : مستحسن من جهة العقل ، و مستحسن من جهة الهوى ، و مستحسن من جهة الحسِّ ( ) .
2- و الفضل : الزيادة عن الاقتصار ، و ذلك ضربان : محمود كفضل العلم و الحلم ، و مذموم كفضل الغضب على ما يجب أن يكون عليه ( ) .
3- الخيار : مأخوذ من الخَيْرِ ، و الخير الفاضل المختص بكل ما يرغب فيه الكل كالعقل مثلاً و العدل و الفضل و الشيء النافع و ضده الشر ... و الخير و الشر يقالان على وجهين ، أحدهما : أن يكونا اسمين كقوله تعالى : وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ [ آل عمران / 104 ] . و الثاني : أن يكونا وصفين و تقديرهما تقدير أفعل منه نحو هذا خير من ذاك و أفضل كقوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ( ) [آل عمران / 110 ] .
ثانياً : الوسط بمعنى الاعتدال و القصد ( ) .
1- الاعتدال : يقول ابن منظور – رحمه الله – : " الاعتدال : توسُّطُ حالٍ بين حالين في كم أو كيف ... و كل ما تناسب فقد اعتدل ، و كل ما أقمته فقد عدلته " ( ) .
و من هنا كان الاعتدال طلب العدالة و العدل في الشريعة : ( عبارة عن الاستقامة على طريق الحق بالاجتناب مما هو محذور ديناً ) ( ) . و العدل من الناس هو ( من عرف بأداء فرائضه و لزوم ما أمر به ، و توقي ما نهى عنه ، و تجنب الفواحش المسقطة ، و تحرى الحق الواجب في أفعاله و معاملته ، و التوقي في لفظه مما يثلم الدين و المروءة ) ( ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
( ) تفسير القرآن العظيم : 1 / 167 ط : دار القلم .
( ) في ظلال القرآن : لسيد قطب : 1 / 131 ط . دار الشروق .
( ) المفردات – للراغب : 117 .
( ) المفردات : 395 .
( ) انظر المفردات : 163.
( ) الظلال : 1 / 167 .
( ) لسان العرب : 11 / 433 ط: دار صادر.
( ) التعريفات – للجرجاني ( 153 ) ط : دار الكتب العلمية.
( ) الكفاية في علم الرواية – للخطيب البغدادي : 103 ط : دار الكتاب العربي
2- القصد : و هو استقامة الطريق .... و منه الاقتصاد ، و الاقتصاد على ضربين : أحدهما محمود على الإطلاق و ذلك فيما لـه إفراط و تفريط كالجود فإنه بين الإسراف و البخل ... و منه قوله تعالى : وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ [ لقمان / 19 ] . و الثاني يكنى به عما يتردد بين المحمود و المذموم و هو فيما يقع بين محمود و مذموم كالواقع بين العدل و الجور .... و على ذلك قوله تعالى : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ( ) . [ فاطر / 32 ] .
ثالثاً : الوسط بمعناه المادي الحسبي ( ) :
و يكون اسماً للمكان الذي يستوي إليه المساحة من الجوانب في المدور ، و من الطرفين في الطول كمركز الدائرة ( ) .
د- الخلاصة :
أن الوسطية : هي الحالة الدائرة بين العدل و ما في معناه و الأحسن والإحسان وما في معناهما على مقتضى الدليل الشرعي الصحيح الصريح ، سواء في حقوق الله تعالى ، أم حقوق النفس أم حقوق الخلق جميعاً ، من إنسان و غيره ، فالعدل وسط و الترقي بالزيادة إحسان . قال الله تعالى إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ النحل / 90 ] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
( ) المفردات : 491 .
( ) الظلال : 1 / 131 .
( ) الكليات : للكفوي : 9
عطر الحنان
07-08-08, 03:29 PM
المطلب الثاني : مكانة الوسطية
جاء حديث القرآن عن الوسطية على ضربين :
الضرب الأول : ما جاء باللفظ لمادة وسط وما يتصرف منها
و قد جاءت في القرآن الكريم منها في خمسة مواضع :
الأول : بمعنى الوسط بين طرفين .
في قوله تعالى : فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً [ العاديات / 5] .
الثاني : بمعنى القرب إلى الاعتدال .
في قوله تعالى : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [ المائدة / 89]
الثالث : بمعنى أعدلهم .
في قوله تعالى : قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ [ القلم / 28 ] .
الرابع : بمعنى معتدلة فاضلة .
في قوله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ [ البقرة / 143] .
الخامس : بمعنى الفاضلة والمتوسطة .
في قوله تعالى : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ [ البقرة / 238 ] ( ) .
و هي على الراجح صلاة العصر .
الضرب الثاني : ما جاء بمعنى الوسطية .
و هذا الضرب هو غالب أي القرآن الكريم ، فإنها إما بيان للوسطية ، أو دعوة إليها ، أو نهي عن ضدها ، أو بيان لحال أهلها المستجيين لها أو بيان لحال من أعرض عنها في الدنيا و الآخرة ، و من تلك المعاني على سبيل التمثيل لا الحصر :
1- الحسن ، و الأحسن ، و الإحسان و ما يتصرف من هذه اللفظية و ما في معناها .
2- الفضل ، و ما يتصرف منه ، و ما في معناه .
3- الخير ، و ما يتصرف منه ، و ما في معناه ، و هذه المعاني الثلاثة و نظائرها هي أعلى مراتب الوسطية .
4- العدل ، و ما يتصرف منه ، و ما في معناه .
5- القصد ، و الاقتصاد و ما في معناه ، و هذان المعنيان الرابع و الخامس و نظائرهما أدنى مراتب الوسطية ، و من أشهر الآيات في معنى الوسطية : الأولى : في الأديان و الملل و النحل ، حيث
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ) انظر : معجم ألفاظ القرآن الكريم – تأليف مجمع اللغة العربية في مصر : ( 2 / 1177 – 1178 ).
عطر الحنان
07-08-08, 03:30 PM
تعالى : ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ [ الفاتحة / 6 ، 7 ] .
أي : اهدنا الدين الوسط لا اليهودية و لا النصرانية ، و هو الدين الإسلامي
و الثانية : في الإنفاق ، حيث قال تعالى وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً [ الإسراء / 29 ] . و قوله تعالى : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً [ الفرقان / 67 ] . أي : وسط بين الإسراف و البخل .
و كل من طالع نصوص القرآن الكريم ، و كان منصفاً علم أن هذا الدين وسط بين الأديان و الملل و النحل ، فهو وسط في التصور و الاعتقاد ، وسط التفكير و الشعور ، وسط في التنظيم و التنسيق ، وسط في الارتباطات و العلاقات ، وسط في التغيير ، لا إفراط و لا تفريط .
قال الشاطبي – رحمه الله – : الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه ، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقة عليه و لا انحلال ، بل هو تكليف جار على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غاية الاعتدال ... فإن كان التشريع لأجل انحراف المكلف أو وجود مظنة انحرافه عن الوسط إلى أحد الطرفين ، كان التشريع راداً إلى الوسط الأعدل ، لكن على وجه يميل فيه إلى الجانب الآخر ليحصل الاعتدال فيه ، و فعل الطبيب الرفيق يحمل المريض على ما فيه صلاحه بحسب حاله و عادته ، و قوة مرضه و ضعفه ، حتى إذا استقلت صحته هيأ لـه طريقاً في التدبير وسطاً لائقاً به في جميع أحواله ، فهكذا تجد الشريعة أبداً في مواردها و مصادرها جارية على هذا الترتيب الوسط المعتدل ، فإذا نظرت إلى كلية من كليات الشريعة فتأملتها وجدتها حاملة على التوسط ، فإن رأيت ميلاً إلى جهة طرف من الأطراف فذلك لعلاج انحراف واقع أو متوقع في أحد الجانبين ، فطرف التشديد – و عامة ما يكون في التخويف و الترهيب و الزجر – يؤتى به في مقابل من غلب عليه الانحلال في الدين ، و طرف التخفيف – و عامة ما يكون في الترجية و الترغيب و الترخيص – يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد ، فإذا لم يكن انحراف إلى هذا أو ذاك رأيت التوسط لائحاً و مسلك الاعتدال واضحاً ، و هو الأصل الذي يرجع إليه و المعقل الذي يلجأ إليه ( ) .
و قال الإمام الطحاوي – رحمه الله – : " دين الله في الأرض و السماء واحد ـ و هو دين الإسلام و هو بين الغلو و التقصير .... " ( ) . يؤكد ذلك قوله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ البقرة / 143 ] .
و يقول تعالى : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً [ الإسراء / 29 ] . و قال تعالى : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
( ) انظر : الموافقات – للشاطبي : ( 2 / 63 – 168 ) .
( ) شرح الطحاوية لأبن أبي العز ، بتحقيق الألباني : ( 585 ) .
[ الفرقان / 67] . فإذاً تقرر أن الإسلام دين الوسطية ، و هذا حق لا مرية فيه ، فإنه قد رفع منزلة الوسطية بعمومها أرفع منزلة سواء بالأمر بها كما هو في الآيات السابقة فإن بعضها من باب الخبر إلا أنها تخرج إلى الإنشاء الطلبي أي كونوا وسطاً عدولاً خياراً في كل شأن و من ذلك الشأن التوسط في الإنفاق و هذا ينسحب على بقية الأعمال .
أم بالنهي عن الغلو في الدين و الذي يعني : ( التصلب و التشدد فيه حتى مجاوزة الحد الشرعي )( ). كما قال الله تعالى : يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ [ النساء / 171 ] . و قال تعالى : قُلْ يَـۤأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ [ المائدة / 77 ] . و كما جاء عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال : قال صلى الله عليه و سلم : " هلك المتنطعون ( قالها ثلاثاً ) ( ) . و المتنطعون : هم المغالون قولاً و فعلاً ( ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
( ) انظر : التوقيف على مهمات التعاريف – للمناوي : ( 253 ) .
( ) صحيح مسلم : 4 / 2055 ( 2670 ) .
( ) انظر : النهاية في غريب الحديث – لأبن الأثير : 5 / 74 ط : دار الباز .
المطلب الثالث : في إمكانية الوسطية
إذا كانت الوسطية سمة الإسلام و مطلبه الشرعي الأوحد و هي بلا ريب كذلك ، فهل توسط الإنسان ممكن ؟
الحقيقة التي لا جدال فيها عند من عرف الطبيعة البشرية أن ذلك ممكن قطعاً و جزماً ، فالإنسان مخلوق قابل للخير و الشر ، و هو لما غلب عليه منهما باعتبار المؤثرات الداخلية و الخارجية ، كما قال تعالى : إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [ الإنسان / 3 ]
قال ابن القيم – رحمه الله – : " سبحان الله ! في النفس كبر إبليس ، و حسد قابيل ، و عتو عاد، و طغيان ثمود ، و جرأة نمرود ، و استطالة فرعون ، و بغي قارون ، و قبح هامان ، و هوى بلعام ، و حيل أصحاب السبت ، و تمرد الوليد ، و جهل أبي جهل ، و فيها من أخلاق البهائم ، حرص الغراب ، و شره الكلب ، و رعونة الطاووس ، و دناءة الجعل ، و عقوق الضب ، و حقد الجمل ، و وثوب الفهد ، و صولة الأسد ، و فسق الفارة ، و خبث الحية ، و عبث القرد ، و جمع النملة ، و مكر الثعلب ، و خفة الفراش ، و نوم الضبع ، غير أن الرياضة و المجاهدة تذهب ذلك " ( ) . كما قال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [ الشمس / 9 -10 ]
و قال – رحمه الله تعالى – : " من كيد الشيطان العجيب : أنه يُشَامُّ النفس ، حتى يعلم أي القوتين تغلب عليها : أقوة الإقدام و الشجاعة أم قوة الانكفاف و الإحجام و المهانة . و قد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديين : وادي التقصير و وادي المجاوزة و التعدي . و القليل منهم جداً الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله - - (( و هو الوسط )) ( ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ) الفوائد : ( 74 ) .
( ) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان : 1 / 136
بنت ابوها
07-08-08, 03:50 PM
«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»جزاك الله خير و جعله في موازين حسناتك«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»
عطر الحنان
07-08-08, 08:38 PM
الله يجزاك الف خير
عطر الحنان
07-08-09, 02:11 PM
جزاكم الله الف خير
durrah2000
07-11-03, 12:25 PM
شكراً جزيلاً
أحسنت
عطر الحنان شكراً لهذا الموضوع الجميل ..
سلمت انامل يديك ..
تحياتي ..
Development : www.hexll.com